جاري التحميل الآن

من خلف سراديب؟

وما السنون التي نمضي مراحلها
إلا عبور، وعمر المرء آثار

نشيب من وجع الأيام لا كبرا
فكم فتى في ضلوع الصمت أعمار

أؤمن أننا لا نكبر بمرور السنين وحدها، بل بما يمر بنا خلالها.

بالمواقف التي تغيّر شيئاً فينا، والتجارب التي تعيد تشكيل نظرتنا، والذكريات التي تبقى أحياناً أقوى من أثر سنوات كاملة. فالزمن، بالنسبة لي، لا يُقاس دائماً بعدد الأعوام التي مضت، بل بما تركته تلك الأعوام في داخلنا.

أنا مؤسس سراديب.

ولا أقدّم نفسي هنا بصفتي عالماً، ولا صاحب وعي استثنائي، ولا رجلاً امتلك من الحكمة ما يؤهله ليخبر الآخرين كيف يرون العالم.

أنا ببساطة رجل في الثلاثين، ما زلت أتعلم.

تغادرني الأيام كما تغادر الجميع، لكنها تترك وراءها شيئاً في كل مرة: تجربة، سؤالاً، فكرة، أو زاوية جديدة أنظر منها إلى ما كنت أظنه واضحاً.

منذ وقت طويل، كان لدي فضول تجاه الأشياء التي لا نجد لها إجابات سهلة.

أقرأ، أبحث، أفكر، وأحاول أن أترك لعقلي مساحة لاختبار الأفكار، سواء تعلقت بالواقع الذي نراه ونعيشه، أم بما يقف عند حدود إدراكنا وما وراءها.

كلما تعلمت شيئاً، أدركت أن هناك أشياء أكثر لا أعرفها.

وربما كان هذا أجمل ما في المعرفة.

أنها لا تمنحك الإجابات فقط، بل تجعلك ترى كم بقي من الأسئلة.

أحب أن أعرف، وأن أشارك ما أعرفه، وأن أتعلم ممن يعرف أكثر مني. لا أعتقد أن أحداً يملك الحقيقة كاملة، ولا أرى أن الإنسان يجب أن يتوقف عن السؤال لمجرد أنه وجد إجابة ارتاح إليها.

فحب المعرفة، في نظري، غريزة في كل حي.

ومن هنا، بطريقة أو بأخرى، بدأت فكرة سراديب.

لماذا سراديب؟

لطالما جذبتني الحكايات التي تترك وراءها سؤالاً.

تجربة يرويها شخص ولا يجد لها تفسيراً.

حكاية قديمة تناقلتها عائلة جيلاً بعد جيل.

أسطورة اختلط فيها التاريخ بالخيال.

سر بقي حبيس ذاكرة شخص واحد.

حادثة يقول عنها البعض إنها مجرد مصادفة، بينما يرى فيها آخرون شيئاً أبعد من ذلك.

هذه المساحة بين ما نعرفه وما لا نعرفه هي ما يثير فضولي.

لم أرد إنشاء مكان يخبر الناس بما يجب أن يصدقوه، ولم أرد أن أقف فيه مدعياً امتلاك مفاتيح المجهول.

أردت مكاناً نستطيع فيه أن نقترب من الأشياء التي تثير فضولنا دون خوف من السؤال.

نقرأ.

نبحث.

نروي.

نختلف.

ثم نترك لكل شخص حقه في أن يفكر ويصل إلى ما يراه.

وهكذا وُلد سراديب.

لا أطلب منك أن تصدق كل شيء

في سراديب، لن نطلب منك أن تؤمن بكل ما تقرأ.

ولن نطلب منك أيضاً أن تنكره لمجرد أنه يبدو غريباً.

قد تقرأ تجربة وترى فيها شيئاً خارقاً.

وقد يقرأها شخص آخر ويجد لها تفسيراً منطقياً تماماً.

وقد نبحث نحن عن الإجابة، ثم نكتشف أن ما وجدناه ليس سوى بداية لسؤال آخر.

وهذا لا يزعجني.

على العكس.

أعتقد أن أجمل ما يمكن أن تفعله المعرفة هو أن تجعلنا أقل استعجالاً في الحكم وأكثر استعداداً للفهم.

لذلك، لا أريد لسراديب أن يكون مكاناً لفرض معتقد، أو السخرية من معتقد، أو تقديم كل ما هو غامض على أنه حقيقة لا تقبل النقاش.

هنا نحكي ما حدث، نبحث فيما نستطيع البحث فيه، ننظر إلى أكثر من احتمال، ثم نترك الباب مفتوحاً.

لأن بعض الأبواب لا تحتاج دائماً إلى أن نغلقها بإجابة.

بعض الحكايات تموت إن لم يروها أحد

أحياناً أفكر في عدد القصص التي اختفت لأن أصحابها رحلوا قبل أن يحكوها.

تجربة عاشها شخص في قرية بعيدة ولم يسمع بها أحد خارج بيته.

حادثة ظلت تتناقل شفهياً حتى ضاعت تفاصيلها.

معتقد قديم لم يعد يتذكره إلا القليل.

أو إنسان عاش شيئاً لم يفهمه، لكنه صمت لأن أول ما توقعه ممن حوله هو السخرية أو التكذيب.

ليس ضرورياً أن تكون كل قصة حقيقة مطلقة حتى تستحق أن تُروى.

فالقصص نفسها جزء من الإنسان.

تخبرنا كيف نفكر، وماذا نخاف، وبماذا نؤمن، وكيف حاول من سبقونا تفسير العالم من حولهم.

لهذا أريد أن يكون سراديب مكاناً تجد فيه هذه الحكايات مساحة لتبقى.

نسمعها أولاً.

ثم نسأل عنها.

سراديب ليس موقعي وحدي

أنا من بدأ سراديب، نعم.

لكنني لا أريد أن يكون صوتي هو الصوت الوحيد فيه.

هذا المكان ليس سيرة شخصية لي، ولا مساحة أكتب فيها ما أعتقده ثم أطلب من الآخرين أن يتبعوه.

أريده مكاناً يتسع للجميع.

لمن يؤمن.

ولمن يشك.

ولمن لا يزال واقفاً في المنتصف ويقول:

لا أعرف… لكنني أريد أن أفهم.

للقارئ الذي يبحث عن قصة تأخذه بعيداً عن المألوف.

وللباحث الذي يحب أن ينقّب خلف الروايات القديمة.

ولمن عاش تجربة غريبة وما زال يحمل أسئلتها معه.

ولمن يمتلك حكاية يخشى أن تضيع إن لم يكتبها.

ولذلك لا يهمني من أين أتيت، أو كيف تنظر إلى العالم، أو إن كنت ستتفق معي في كل شيء.

الاختلاف هنا ليس باباً نغلقه.

ربما يكون هو الباب الذي تبدأ منه الحكاية.

وأنت أيضاً من خلف سراديب

عندما يسأل أحدهم: من خلف سراديب؟

قد تكون الإجابة اليوم: شخص بدأ بفكرة وشغف وأسئلة كثيرة.

لكنني آمل ألا تبقى الإجابة كذلك إلى الأبد.

لأن كل قارئ يصل إلى هنا، وكل شخص يشارك تجربة، وكل من يصحح معلومة، أو يضيف رواية، أو يرسل قصة بقيت سنوات في ذاكرته… يضع جزءاً منه في هذا المكان.

أنا بدأت سراديب.

أما ما سيصبح عليه، فلا أعتقد أن شخصاً واحداً يستطيع أن يصنعه وحده.

ربما نصنعه جميعاً، حكاية بعد حكاية، وسؤالاً بعد سؤال.

فمنذ أن رفع الإنسان رأسه إلى السماء للمرة الأولى وسأل نفسه: ما الذي يوجد هناك؟ بدأت رحلة المعرفة.

وما زلنا حتى اليوم نسأل.

بالنسبة لي، سراديب ليس سوى ممر صغير في هذه الرحلة الطويلة.

ندخله بدافع الفضول.

نضيء ما نستطيع إضاءته.

ونترك بعض الأبواب مواربة لما لم نفهمه بعد.

فإن كانت لديك قصة، أو تجربة، أو معرفة، أو حتى سؤال ظل يرافقك ولم تجد له مكاناً…

فربما هناك سرداب ينتظر أن تفتح بابه.

عبدالعزيز

error: