مقبرة الملعون
بقلم:رمضان مصطفى محمد
لم يكن الدم الذي غطّى يدي دمي.
كان ذلك أول ما أدركته حين شقّ ضوء ولاعة علي العتمة التي ابتلعتنا. امتلأ المكان برائحة الصدأ والتراب المتعفن، غير أن رائحة الدم كانت أشد حضوراً؛ رائحة معدنية طازجة التصقت بحلقي وأثارت الغثيان في معدتي.
نظرت إلى علي. كان يمسك الولاعة بيد ترتجف بعنف، حتى إن اللهب أخذ يتراقص فوق وجوهنا الشاحبة. كانت عيناه متسعتين على نحو مخيف، تحدقان في شيء يقع خلفي، بينما انعقد لسانه وعجز عن الكلام.
أدرت رأسي ببطء، كأن عنقي ترس صدئ، فرأيت ما كان يحدق فيه.
على الجدار الحجري خلفنا ظهرت طبعة يد مغموسة في الدم. كانت يداً كبيرة، وقد امتدت آثار أصابعها إلى الأسفل، كأن صاحبها تشبث بالجدار بينما كان شيء ما يجره في الظلام.
لم تكن طبعة اليد هي ما أرعبني.
ما أرعبني حقاً أننا دخلنا هذه المقبرة ثلاثة أشخاص: أنا وعلي ومحمد.
أما الآن، فلم يكن محمد معنا.
ساد صمت ثقيل، لم يقطعه سوى أنفاسنا المتقطعة، وصوت شيء لزج يُسحب ببطء فوق الدرجات التي هبطنا منها.
همست خشية أن يوقظ صوتي شيئاً نائماً تحت أقدامنا:
«أين محمد؟»
لم يجب علي. ظل محدقاً في الجدار، حتى سخنت الولاعة بين أصابعه ولسعته، فسقطت من يده وانطفأت فوق الأرض.
ابتلعتنا العتمة من جديد.
تراجعت حتى التصق ظهري بالجدار، وشعرت ببرودة الحجر تتسلل من خلال ثيابي. وفي تلك اللحظة عاد بي ذهني إلى ساعتين مضتا، حين كنا نجلس في المقهى بعد العشاء.
كان محمد يضحك وهو يقول إن جميع الحكايات التي تُروى عن مقبرة الملعون ليست سوى خرافات اخترعتها الأمهات لمنع الأطفال من اللعب بين القبور ليلاً.
لطالما استحوذ ذلك المكان على فضولي. كانت المقبرة تقع عند الطرف البعيد من القرية، وقد بُنيت من حجارة سوداء تختلف عن حجارة المقابر الأخرى. كان لها باب حديدي صدئ، تحيط به سلسلة غليظة لا يعرف أحد أين مفتاحها. لم تنبت حولها شجرة أو عشبة، حتى بدا كأن الأرض نفسها ترفض أن تمنح الحياة لأي شيء يقترب منها.
اتفقنا على الانتظار حتى تغفو القرية.
في الأرياف، تخلو الطرقات بعد العشاء بساعتين، ولا يبقى فيها سوى نباح الكلاب الضالة. لكن تلك الليلة كانت مختلفة. فمنذ أن غادرنا بين البيوت واتجهنا نحو المقابر، لم نسمع نباح كلب واحد.
كان الصمت خانقاً، كأن الهواء نفسه قد أُفرغ من الحياة.
عندما وصلنا إلى الباب الحديدي، أخرج محمد عتلة صغيرة سرقها من ورشة أبيه، وأخذ يحطم بها القفل القديم. كان الحديد يطلق صريراً حاداً، وكل ضربة تجعل قلبي يقفز إلى حلقي.
وبعد محاولات عدة، انكسرت السلسلة وسقطت على الأرض بصوت مكتوم.
انفتح الباب من تلقاء نفسه.
تحرك ببطء، كما لو أنه كان ينتظر مجيئنا، ثم اندفع من خلفه تيار هواء بارد محمل برائحة الكافور القديم والتراب الرطب.
دخلنا نحن الثلاثة.
كنت أمسك بهاتفي وأضيء الطريق، وكان علي خلفي، بينما تقدم محمد أمامنا. لم يكن الفناء الداخلي شبيهاً بأي مقبرة عرفناها. لم تكن هناك شواهد قبور ولا أكوام تراب، بل سلم حجري ضيق ينحدر عميقاً إلى باطن الأرض.
كان ينبغي لنا أن نتراجع في تلك اللحظة.
لم تكن المقابر في قريتنا تُحفر بهذه الطريقة، فالمياه الجوفية قريبة من السطح، ويقول أهل القرية إن الأرض تلفظ موتاها إذا دُفنوا عميقاً.
لكن الفضول دفعنا إلى النزول.
وربما لم يكن فضولاً.
ربما كان هناك شيء في الأسفل يجذبنا إليه.
هبطنا درجة بعد أخرى، وكان ضوء هاتفي يخفت كلما تعمقنا، كأن الظلام يلتهمه ببطء. وبعد نحو خمس عشرة درجة، وصلنا إلى قاعة واسعة تحت الأرض.
كانت الجدران مغطاة بخدوش عميقة. لم تكن كتابات أو نقوشاً، بل آثار أظافر حفرت في الحجر، كما لو أن أشخاصاً كثيرين حاولوا شق طريقهم إلى الخارج بأيديهم العارية.
وفجأة انطفأ مصباح الهاتف.
لم تنفد البطارية، بل اسودت الشاشة تماماً، وتحول الهاتف إلى قطعة باردة بين أصابعي.
ناديت محمد.
أجابني بأنه سيشغل مصباح هاتفه. سمعت حركة سريعة، ثم وقع خطوات مضطربة.
وبعدها لم أسمع شيئاً.
لم يصرخ محمد، ولم يسقط، ولم يستغث. اختفى صوته كما لو أن الظلام ابتلعه.
عندها أشعل علي ولاعته، ورأينا طبعة اليد الدامية فوق الجدار.
عدت إلى الحاضر، وأنا جاثم في الظلام أتحسس الأرض بحثاً عن الولاعة. لامست أصابعي شيئاً دافئاً ولزجاً، فسحبت يدي بسرعة ومسحتها في بنطالي وأنا أرتجف.
قلت بصوت منكسر:
«علي، هل ما زلت معي؟»
امتدت يد من الظلام وتشبثت بذراعي. كانت شديدة البرودة، وعظامها قاسية كالحجر.
سمعت صوته يقول:
«أنا هنا يا حسن. يجب أن نخرج. هذا المكان لا يريدنا.»
بدا صوته مختلفاً. كان أجش، يتردد فيه صدى خافت، لكن الخوف منعني من التفكير في ذلك.
نهضت وجذبته معي نحو الموضع الذي ظننت أن السلم يقع فيه. تحسسنا الدرجات بأقدامنا، ثم بدأنا نصعد.
درجة، ثم درجتان، ثم عشر درجات وعشرون.
لم يكن السلم بهذا الطول حين نزلنا.
كنا قد هبطنا نحو خمس عشرة درجة فقط، لكننا الآن نصعد منذ دقائق، من دون أن يظهر الباب في الأعلى.
كلما تقدمنا، ازداد الممر ضيقاً، وثقل الهواء في صدري، واشتدت رائحة الدم حتى شعرت كأنني أتنفس داخل جرح مفتوح.
توقفت ألهث، ثم نظرت خلفي.
لم أستطع رؤية ملامح علي، لكنني شعرت بوجوده ملاصقاً لظهري، ويده ما تزال تقبض على ذراعي.
قلت وأنا أحاول ابتلاع ريقي الجاف:
«علي، نحن نصعد في الاتجاه الصحيح، أليس كذلك؟»
لم يأتني الجواب من خلفي.
جاء صوت علي من الأسفل، من عمق القاعة التي تركناها.
كان يصرخ بصوت مكتوم، كغريق يحاول التقاط أنفاسه:
«حسن! لا تتركني هنا! حسن!»
تجمدت في مكاني.
إذا كان علي في الأسفل، فمن الذي كان يمسك بذراعي؟
شعرت بالدم ينسحب من وجهي. ازدادت القبضة حول ذراعي قوة حتى خُيل إلي أن عظامي ستتحطم.
لم أستطع الحركة أو الالتفات لرؤية ما يقف خلفي. كانت أنفاسه تضرب مؤخرة عنقي، ولم تكن أنفاس إنسان. حملت معها رائحة تراب متخمر ولحم متعفن.
حاولت تحرير ذراعي، لكن القبضة كانت كالفولاذ.
ثم سمعت همساً بمحاذاة أذني.
كان الصوت صوت محمد، لكنه جاء بطيئاً مشوهاً، كما لو أنه يتحدث من قاع بئر:
«المقبرة لا تعيد من تأخذه يا حسن. إنها تستبدلهم فقط.»
جمعت كل ما بقي في جسدي من قوة. دفعت الكائن الواقف خلفي ونفضت ذراعي بعنف.
سمعت جسماً ثقيلاً يتدحرج فوق الدرجات، تبعه صوت عظام تتحطم على الحجر، لكن لم تصدر عنه أي صرخة ألم.
لم أنظر خلفي.
اندفعت إلى الأعلى، أتعثر وأسقط ثم أنهض. جرحت الجدران الخشنة كفي وذراعي، ولم أكن أرى شيئاً أمامي، لكنني واصلت الصعود.
وفجأة ارتطم رأسي بجسم صلب.
تحسسته بيدي، فعرفت أنه الباب الحديدي.
كان مغلقاً.
لم أفهم كيف أُغلق، فقد تركناه مفتوحاً حين دخلنا. أخذت أضربه بكلتا يدي حتى تمزق جلد أصابعي، وصرخت بأعلى صوتي:
«افتحوا الباب! هل يسمعني أحد؟ يا أبي! يا أهل القرية!»
لكن صوتي كان يرتد إليّ، كأن المكان معزول عن العالم الموجود في الخارج.
واصلت الضرب حتى خارت قواي، ثم جلست على الأرض وأسندت ظهري إلى الباب. وضعت رأسي بين ركبتي وبكيت كطفل.
كل القصص التي كانت أمي ترويها لإخافتي بدت حقيقية في تلك اللحظة، لكنها لم تخبرني قط أن المقبرة كائن حي، وأنها تتغذى على من يدخلها.
وبينما كنت غارقاً في اليأس، ظهر خيط ضعيف من نور القمر من تحت الباب. ثم سمعت وقع خطوات خفيفة تقترب من الخارج.
رفعت رأسي وألصقت أذني بالحديد البارد.
سمعت شخصاً يحرك السلسلة.
عاد الأمل إلى قلبي، وصرخت:
«أنا هنا! افتح الباب، أرجوك!»
انفتح الباب ببطء، وكان صريره في تلك اللحظة أعذب صوت سمعته في حياتي.
اندفع الضوء إلى الداخل فأعمى بصري لثوان. أغمضت عيني، ثم فتحتهما فرأيت رجلاً عجوزاً يقف في الخارج، يحمل مصباحاً قوياً.
كان العم صابر، حارس المقابر.
كان أهل القرية يهابونه لأنه لا يتحدث إلى أحد، ويعيش وحيداً بين القبور. حدق فيّ بعينين ضيقتين، ثم مرر ضوء المصباح فوق وجهي وثيابي.
قال بصوت خشن:
«ما الذي أدخلك إلى هذا الفناء يا بني؟»
نهضت وأنا أرتجف، وتشبثت بجلبابه كما لو كان طوق نجاتي الأخير.
قلت متلعثماً:
«عم صابر، أنقذني. محمد وعلي ما زالا في الأسفل. دخلنا معاً، ثم سحبهما شيء ما. أُغلق الباب علينا، وأنا… أنا…»
عجزت عن إكمال كلامي.
ظل العم صابر صامتاً. لم تتغير ملامحه، لكن ضوء مصباحه استقر فوق قميصي.
نظرت إلى الموضع الذي يحدق فيه.
كانت هناك طبعة يد دامية فوق صدري، تشبه الطبعة التي رأيناها على الجدار. لكن أصابعها هذه المرة كانت متجهة إلى الأعلى، كأن شخصاً حاول جذبي إلى الأسفل فتشبث بثيابي.
رفع العم صابر عينيه نحوي ببطء، ثم قال:
«محمد وعلي من يا بني؟ أنا أحرس هذا المكان منذ أربعين عاماً، وأنا الذي دفنت محمد وعلي بيدي في هذا الفناء منذ خمسة عشر عاماً.»
تراجعت خطوة إلى الخلف.
لم أستطع فهم كلماته.
خمسة عشر عاماً؟
كنت أجلس معهما في المقهى منذ ساعتين. تحدثنا وضحكنا وخططنا للمجيء إلى هنا معاً. كنت أعرفهما منذ طفولتي.
نظرت إلى الطريق الممتد خلف العم صابر. كان خالياً تماماً، يغمره ضوء القمر.
وفي تلك اللحظة اهتز الهاتف داخل جيبي.
الهاتف الذي انطفأ في الأسفل.
أخرجته بيد مرتجفة، فأضاءت شاشته وظهرت رسالة من رقم مجهول:
«هل أنت الذي صعد يا حسن، أم أننا نحن الذين خرجنا بك؟»
رفعت بصري نحو العم صابر.
لم يكن ينظر إليّ.
كان يحدق في الظلام القابع خلفي، داخل الفناء. ظهرت على وجهه ابتسامة جامدة، خالية من أي أثر للحياة.
ثم قال وهو يمد يده ليغلق الباب:
«مرحباً بك في بيتك الجديد يا محمد.»
أُغلق الباب الحديدي في وجهي، وعادت السلسلة إلى مكانها.
لكنني هذه المرة لم أكن في الخارج.
كنت في الداخل.
وكان علي وحسن يقفان إلى جواري وسط الظلام، ينتظران العشاء القادم.

إرسال التعليق