جاري التحميل الآن

جميلة التي لم تكن موجودة

بقلم:عابر ريفي

اسمي أسامة، وكنت في الثامنة عشرة من عمري عندما وقعت لي هذه الحادثة التي ما زلت أتذكر تفاصيلها حتى اليوم.

كنت أعيش مع والديّ وأختي الصغرى وجدتي لأبي في منزل واحد. وفي كل صيف، كنا نسافر إلى البادية لقضاء عدة أسابيع في بيت عمي. كنت أنتظر تلك الرحلة بشوق كبير، فهي فرصتي للابتعاد عن ضجيج المدينة، وقضاء الوقت بين الحقول والمروج الواسعة.

كنت أساعد عمي أحيانًا في أعمال الفلاحة؛ أشاركه في الري والحصاد ورعي الماشية، ثم أعود في المساء متعبًا، لكنني أشعر براحة لم أكن أجدها في المدينة.

في أحد الأيام، وبينما كنت أقف قرب بئر يقع في طرف القرية أملأ أوعية الماء، شعرت بأن أحدًا يراقبني.

رفعت رأسي، فرأيت فتاة تجلس تحت شجرة زيتون غير بعيدة عني. كانت تنظر نحوي في صمت، وحين التقت عيناها بعينيّ، طأطأت رأسي وأكملت عملي، متظاهرًا بأنني لم ألاحظها.

حملت الماء وسرت عائدًا إلى منزل عمي، لكنني فوجئت بها تقف في منتصف الطريق أمامي، وعلى وجهها ابتسامة هادئة.

قالت:

— كيف حالك يا أسامة؟ أتمنى أن تكون مستمتعًا بوقتك في قريتنا.

توقفت مندهشًا من معرفتها باسمي، لكنني لم أظهر ذلك، وأجبتها:

— ومن لا يستمتع في هذه القرية الجميلة؟

قالت إن اسمها جميلة، وكان الاسم يليق بها فعلًا. كانت هادئة الملامح، لطيفة الكلام، وفي عينيها شيء غريب يجذب الانتباه ويثير القلق في الوقت نفسه.

سألتها:

— من أي بيت أنتِ؟

أجابت:

— أنا ابنة عبد السميع.

كنت أعرف عبد السميع؛ فهو أحد جيران عمي، ويسكن في بيت يقع غير بعيد عن المزرعة. لذلك لم أشك في كلامها.

منذ ذلك اليوم، توالت لقاءاتنا. كانت تظهر في الأماكن التي أذهب إليها، مرة قرب الحقول، ومرة عند الطريق المؤدي إلى البئر، ومرة تحت أشجار الزيتون.

في البداية اعتقدت أنها مجرد مصادفات، لكنني سرعان ما أصبحت شبه متأكد من أنها تراقب تحركاتي وتعرف الأماكن التي أقصدها.

لم يزعجني ذلك، فقد أعجبت بها. ومع مرور الأيام، بدأت أتعلق بها أكثر، حتى إنني أخبرتها ذات مرة بأنني سأعود في الصيف المقبل وأطلب يدها من والدها.

ابتسمت يومها دون أن تجيب، واكتفت بالنظر إليّ طويلًا.

أبقيت علاقتنا سرًا، ولم أخبر بها أحدًا من أفراد عائلتي.

القطة السوداء

في ليلة مقمرة، جلست قرب البئر الواقع في طرف القرية، بعيدًا عن البيوت. كنت في الحقيقة أنتظر جميلة؛ فقد اعتدت رؤيتها هناك، وأردت إخبارها بأننا سنغادر القرية بعد يومين.

لم أنتظر طويلًا حتى ظهرت من بين الأشجار، وسارت نحوي بخطوات هادئة.

جلست إلى جانبي، وبدأنا نتحدث. وفجأة لاحظت قطة صغيرة تقف على مسافة قريبة، تحدق فينا.

قلت لجميلة:

— انظري، هناك قطة صغيرة.

توجهت إليها جميلة وحملتها بين ذراعيها. كانت القطة سوداء بالكامل، ذات فراء ناعم وعينين زرقاوين لامعتين.

بدت وديعة وجميلة، لكنها لم تبعد عينيها عني لحظة واحدة.

قالت جميلة وهي تمسح على رأسها:

— لو لم يكن عندنا قطط في البيت لأخذتها معي.

قلت مازحًا:

— أنا لا أحب القطط كثيرًا، لكنني سأخذها معي وأعتني بها من أجلك.

فرحت جميلة، وظهر على وجهها ارتياح غريب، ثم ناولتني القطة وقالت:

— عليّ أن أذهب الآن.

سارت أمامي، بينما كنت أتبعها حاملًا القطة. وعندما وصلنا إلى بيت عبد السميع، توقفت عند الباب وأشارت إليّ بيدها مودعة، ثم دخلت.

رأيتها بعيني تدخل إلى المنزل.

عدت إلى بيت عمي، ووضعت القطة داخل صندوق من الورق المقوى، ثم قدمت لها بعض الطعام. بعدها جلست مع والدي وعمي وأسرته لتناول العشاء.

أخبرنا عمي أنه سيقيم في الليلة التالية وليمة كبيرة يدعو إليها جميع أهل القرية، وهي عادة كان يفعلها بين الحين والآخر.

وفي صباح اليوم التالي، خرج عمي لدعوة الجيران. رأيته يطرق باب منزل عبد السميع، فخرج الرجل إليه. دعاه عمي إلى الحضور برفقة زوجته وأولاده، فأجابه عبد السميع:

— إن شاء الله سنحضر جميعًا.

شعرت بسعادة كبيرة. ستكون جميلة حاضرة، وستراها والدتي. وعندما أخبر أمي لاحقًا بأنني أريد الزواج منها، ستكون لديها فكرة مسبقة عنها.

لم أكن أعلم أن تلك الليلة ستقلب كل شيء.

ابنة لا يعرفها أحد

بدأ أهل القرية يتوافدون إلى بيت عمي بعد المغرب. جلس الرجال في مجلس منفصل، بينما اجتمعت النساء في الجهة الأخرى من المنزل.

وقفت قرب الباب أراقب القادمين، منتظرًا ظهور جميلة.

بعد مدة، رأيت عبد السميع قادمًا برفقة زوجته وطفلين؛ صبي يبلغ نحو سبع سنوات وفتاة صغيرة في العاشرة تقريبًا.

لكن جميلة لم تكن معهم.

انتظرت قليلًا، معتقدًا أنها ستأتي وحدها، لكنها لم تظهر.

اقتربت من ابن عبد السميع وسألته بصوت منخفض:

— لماذا لم تأتِ أختك معكم؟

نظر إليّ مستغربًا وأشار إلى الفتاة الصغيرة:

— لقد جاءت، إنها هناك تلعب مع أختك.

قلت:

— لا أقصد مريم، بل أختك الكبرى.

ازداد استغرابه وقال:

— ليست لدي أخت كبرى. مريم هي أختي الوحيدة.

شعرت ببرودة تسري في جسدي.

سألته:

— وجميلة؟ أليست أختك؟

قطّب حاجبيه وقال:

— من جميلة؟ أنا ليس لدي سوى أخت واحدة، اسمها مريم.

بقيت أحدق فيه غير مصدق. لقد رأيت جميلة تدخل بيتهم بعينيّ، فكيف يقول إنها لا وجود لها؟

سألته مرة أخرى:

— ومن بقي في البيت عندما جئتم إلى هنا؟

أجاب بثقة:

— لم يبقَ أحد. أغلقنا الباب وجئنا جميعًا.

ابتعدت عنه وأنا أشعر بأن الأرض تهتز تحت قدمي. كان الطفل يتحدث بصدق، ولا يبدو أنه يمزح أو يخفي شيئًا.

دخلت المطبخ وأنا أحاول استيعاب ما سمعت. وجدت جدتي تتناول عشاءها، فهي لم تكن تحب السهر. تذكرت القطة الصغيرة، فأخذت بعض الخبز وبقايا الطعام ووضعتها أمامها.

أكلت القطة بنهم شديد، وكأنها لم تأكل منذ أيام.

راقبتها وهي تلتهم الطعام، ثم تذكرت جميلة وابتسامتها الغامضة، فشعرت بانقباض في صدري.

ناداني عمي للجلوس مع الضيوف، فتركت القطة وعدت إلى المجلس.

بعد انتهاء الوليمة، غادر أهل القرية واحدًا تلو الآخر، ثم ذهب الجميع إلى النوم. أما أنا فبقيت أتقلب في فراشي ساعات طويلة، عاجزًا عن إغلاق عيني.

لم أنم إلا قرب الرابعة صباحًا.

وعندما نمت، كان الكابوس في انتظاري.

الباب الأسود

رأيت في المنام بابًا أسود ضخمًا يقف وسط ظلام لا نهاية له. كنت أمامه أنتظر أن يُفتح، مع أن شيئًا في داخلي كان يصرخ محذرًا إياي من الاقتراب.

بدأ الباب ينفتح ببطء، وانبعثت من خلفه أصوات غريبة وهمسات متداخلة.

لم يكن خلفه سوى ظلام كثيف.

ثم ظهرت جميلة من داخله، ومدت يدها نحوي وهي تقول:

— تعال يا أسامة.

أردت التقدم إليها، لكن شخصًا أمسك بي من الخلف وراح يجرني بعيدًا عن الباب.

التفت، فرأيت جدتي.

كانت تمسك بملابسي بقوة وتقول:

— ارجع يا بني، لا تدخل من هذا الباب.

شعرت بالغضب منها في الحلم، وطلبت منها أن تتركني، لكنها ظلت تحاول إبعادي. وفجأة اختفت من أمامي.

التفت نحو الباب، فوجدت جميلة لا تزال واقفة في الداخل، تمد يدها إليّ وتدعوني للدخول.

تقدمت خطوة، ثم أخرى، حتى أصبحت على وشك عبور الباب.

في تلك اللحظة، دوى صوت الأذان.

اختفت جميلة، وتلاشى الباب الأسود والظلام من حولي.

فتحت عيني مذعورًا، فوجدت أن أذان الفجر يرتفع بالفعل من مسجد القرية. كان قلبي يخفق بعنف، وجسدي مبللًا بالعرق.

نهضت وغسلت وجهي، ثم وجدت أفراد عائلتي يستعدون للعودة إلى المدينة. غيرت ملابسي، وحملت حقيبتي وصندوق القطة، ووضعتهما في سيارة والدي.

بعد الإفطار، ودعنا عمي وانطلقنا.

ما ظهر على الكرسي

كانت الطريق طويلة ومتعبة. وعندما وصلنا إلى منزلنا، حملت القطة إلى غرفتي ووضعت الصندوق فوق كرسي قرب فراشي.

غيرت ملابسي، ثم تمددت لأرتاح من عناء السفر.

غفوت سريعًا، فرأيت نفسي أغرق في بحر من الدماء. كنت أحاول السباحة والخروج، لكن شيئًا كان يسحبني نحو القاع.

استيقظت بصعوبة، وكأنني أصعد من حفرة عميقة.

كانت الغرفة مغطاة بضباب كثيف يشبه الدخان. ومن خلاله، رأيت هيئة شخص يجلس على الكرسي المقابل لفراشي.

أغمضت عيني، ثم فتحتهما من جديد.

لم يكن فوق الكرسي سوى القطة السوداء، تجلس في هدوء وتحدق بي بعينيها الزرقاوين.

قلت في نفسي إنني لا أزال متأثرًا بالكابوس، وإن التعب وقلة النوم جعلاني أتوهم أشياء غير موجودة.

طرقت والدتي الباب، وطلبت مني النهوض لتناول الغداء. كانت الساعة قد تجاوزت الخامسة مساءً.

غسلت وجهي، وتناولت الطعام، ثم خرجت للقاء أصدقائي الذين لم أرهم منذ أكثر من شهر. لم أعد إلى المنزل إلا بعد العاشرة ليلًا.

تناولت العشاء مع أسرتي، ثم دخلت غرفتي ونمت من شدة التعب، ناسيًا أن أقدم للقطة طعامها.

في منتصف الليل، شعرت بشيء يمسك يدي بقوة.

صرخت وفتحت عيني، فرأيت القطة تعض يدي. كان الدم يسيل بغزارة، والألم شديدًا.

دفعتها عني وضربتها، ثم ركلتها بعيدًا. لفيت يدي بقطعة قماش، لكن غضبي لم يهدأ. أمسكت القطة وفتحت النافذة، ثم رميتها إلى الخارج.

عدت إلى فراشي، وما إن هدأت قليلًا حتى تذكرت أنني لم أطعمها طوال اليوم.

شعرت بالندم.

لقد كانت جائعة، وربما عضتني بسبب الجوع. نهضت وأطللت من النافذة، لكنني لم أرها. نزلت إلى أسفل المنزل أبحث عنها، فلم أجد لها أثرًا.

عدت إلى غرفتي وأنا أقنع نفسي بأنها لم تمت، وأنها هربت إلى مكان قريب.

الجرح الذي اختفى

في الصباح، دخلت المطبخ فوجدت أمي تعد الإفطار.

قلت لها:

— هل عندك دواء للجروح؟ لقد عضتني القطة البارحة حتى سال الدم من يدي.

غضبت أمي وقالت:

— لقد أخبرتك منذ البداية أنني لا أوافق على إدخالها إلى المنزل. أرني يدك، وبعدها أخرجها من البيت فورًا.

ذهبت لتحضر الدواء، بينما بدأت أفك قطعة القماش الملفوفة حول يدي.

تجمدت في مكاني.

كانت يدي سليمة تمامًا.

لا جرح، ولا خدش، ولا حتى أثر بسيط للعضة.

نظرت إلى قطعة القماش، ثم إلى يدي. كنت متأكدًا أن الدم كان يسيل منها في الليلة السابقة، وأن الألم كان حقيقيًا.

عادت أمي بالدواء وقالت:

— أرني الجرح.

لم أعرف ماذا أقول، فابتسمت محاولًا إخفاء ارتباكي وقلت:

— كنت أمزح معك يا أمي، لا يوجد شيء.

صرخت في وجهي:

— أتظن أن لدي وقتًا أضيعه في مزاحك السخيف؟ أنت تعرف أنني لا أحب هذا النوع من المزاح.

اعتذرت منها وجلست أتناول الإفطار، لكن عقلي كان في مكان آخر.

هل كانت العضة حلمًا؟

وإن كانت حلمًا، فمن الذي لف قطعة القماش حول يدي؟

المرأة قرب النافذة

مر النهار بهدوء ظاهري. وبعد المغرب، طلبت مني والدتي أن أرافقهم إلى منزل خالي الذي دعانا إلى العشاء.

اعتذرت بحجة أنني متعب، فخرج الجميع وبقيت وحيدًا في المنزل.

تناولت عشاءً خفيفًا، ثم دخلت غرفتي وأطفأت الضوء. وما إن وضعت رأسي على الوسادة حتى سمعت باب الغرفة ينفتح ببطء.

حاولت النهوض، لكنني لم أستطع تحريك جسدي.

أغمضت عيني، وظللت أستمع. لم أسمع خطوات ولا صوتًا آخر. وبعد لحظات، أخرجت رأسي من تحت الغطاء وفتحت عيني.

كان هناك ظل يقف قرب النافذة.

بدت هيئة امرأة طويلة، وكانت تجهش بالبكاء.

حاولت مد يدي نحو مفتاح الضوء، لكن يدي وقدمي كانتا مشلولتين، كأن حبالًا غير مرئية تقيدني إلى الفراش.

صرخت بأعلى صوتي، لكن المرأة قالت:

— اصمت، لن يسمعك أحد.

كان صوتها مألوفًا.

سألتها وأنا أرتجف:

— من أنتِ؟

توقفت عن البكاء وقالت:

— أنا أمّ من قتلته. وما فعلته كان غلطة كبيرة، وستدفع ثمنها غاليًا. سأغادر الآن، لكنني لن أفارقك حتى تنال العقاب الذي تستحقه.

اختفت المرأة فجأة، وفي اللحظة نفسها اشتعل ضوء الغرفة وحده.

بقيت متجمدًا في فراشي، أحاول فهم كلامها.

أنا لم أقتل إنسانًا في حياتي.

ثم تذكرت القطة.

تذكرت كيف رميتها من النافذة، وتذكرت كلمات جميلة عندما حملتها قرب البئر. عندها بدأت الخيوط تتصل ببعضها في رأسي.

جميلة لم تكن ابنة عبد السميع.

لم تكن من أهل القرية أصلًا، وربما لم تكن بشرًا.

أما المرأة التي ظهرت قرب نافذتي، فقد كان صوتها قريبًا جدًا من صوت جميلة، لكنه بدا أكثر خشونة ونضجًا، وكأن المتحدثة امرأة أكبر سنًا.

تذكرت أيضًا عضة القطة التي اختفى أثرها، والباب الأسود الذي رأيته في المنام.

كنت متأكدًا أن جميع هذه الأشياء مرتبطة ببعضها.

القصر وسط الغابة

منذ تلك الليلة، لم تعد حياتي طبيعية.

في النهار كنت شارد الذهن، عاجزًا عن التركيز، أغرق في أفكار متضاربة لا تنتهي. أما في الليل، فكنت أسمع خطوات تتحرك في الممر، وأصوات خدش فوق النافذة، وبكاءً مكتومًا يأتي من زوايا الغرفة.

ثم بدأت أرى الحلم نفسه كل ليلة تقريبًا.

كان رجل شديد السواد يظهر أمامي. لم أتمكن يومًا من رؤية ملامحه بوضوح، لكنه كان ضخم الجسد، وصوته خشنًا يبعث الرعب في القلب.

كان يأمرني بالسير معه، فأجد نفسي أعبر غابة مظلمة لا يصل إليها ضوء القمر. وفي نهاية الطريق، يظهر قصر مهجور تحيط به أشجار ملتوية، وله باب حديدي ضخم يحرسه مخلوق طويل القامة بصورة غير طبيعية.

كان الحارس يفتح لنا الباب، ثم يأخذونني إلى ممرات مظلمة تصدر من أعماقها صرخات وأصوات سلاسل.

وفي كل مرة أستيقظ، كنت أشعر بألم في جسدي، أو أجد خدوشًا صغيرة تختفي بعد ساعات.

استمرت حالتي في التدهور، حتى استيقظت ذات صباح وأنا لا أستطيع تحريك قدميّ وإحدى يديّ بصورة طبيعية.

عندما رأتني أمي، انهارت باكية. أما والدي، فاستدعى رجلًا معروفًا بالرقية في منطقتنا.

دخل الراقي غرفتي، وطلب من والديّ الخروج وإغلاق الباب. ثم جلس بقربي وطلب مني أن أقص عليه كل ما حدث منذ سفرنا إلى البادية.

أخبرته عن جميلة، والقطة، والباب الأسود، والمرأة التي ظهرت قرب النافذة، والرجل الذي يأخذني كل ليلة إلى القصر.

استمع إليّ بصمت، ثم بدأ يقرأ القرآن. ومع استمرار القراءة، شعرت بثقل كبير يزول تدريجيًا عن صدري.

كتب شيئًا في ورقة وبللها بالماء، ثم أعطاني قنينة ماء قرأ عليها، وطلب مني أن أشرب منها قبل النوم.

بعد ذلك ناولني مصحفًا صغيرًا وقال:

— لا تدع هذا المصحف يفارقك، إلا عندما تدخل الحمام. اجعله دائمًا قريبًا منك، وسأعود بعد يومين ومعي راقٍ آخر، فحالتك تحتاج إلى متابعة.

قبل أن يغادر، سمعت صوته يخبر والدي بأن حالتي صعبة.

حاولت تحريك قدميّ بعد خروجه، فتحركتا ببطء. تمكنت من الوقوف، لكن يدي بقيت ثقيلة ومتصلبة.

فرحت أمي عندما رأتني أمشي.

قلت لها إنني أريد الاستحمام، فأعدت لي الحمام. تركت ملابسي والمصحف في الغرفة المجاورة، ودخلت.

بعد الانتهاء، عدت إلى غرفتي. كانت الساعة قد تجاوزت العاشرة ليلًا. شربت من الماء الذي أعطاني إياه الراقي، ثم تمددت في فراشي ونمت.

لكنني نسيت المصحف في الغرفة الأخرى.

الكلب الأسود

شعرت بشخص يهزني بعنف.

فتحت عيني، فرأيت الرجل الأسود واقفًا أمامي.

قال بصوته الخشن:

— انهض، لقد حان وقت ذهابك.

أدركت أنني لن أستطيع مقاومته. تمنيت لو أن المصحف كان بجانبي، لكنني تركته بعيدًا.

في لحظة واحدة، وجدت نفسي معه أمام الباب الحديدي للقصر، والظلام يحيط بنا من كل جانب.

ظهر الحارس الطويل وفتح الباب. دخلنا إلى مكان حالك لا يكاد المرء يرى فيه يده.

سرنا عبر ممرات ضيقة حتى وصلنا إلى قاعة رأيت فيها رجلًا يعذبه مخلوقان غريبان.

عندما لاحظا وجودي، أطلقا نحوي كلبًا أسود ضخمًا، لم أرَ في حياتي حيوانًا بحجمه.

اندفع الكلب نحوي، فهربت بكل ما أملك من قوة. كنت أسمع أنفاسه خلفي، وأشعر أنه يقترب أكثر مع كل خطوة.

حاولت الصراخ، لكن صوتي لم يخرج.

واصلت الركض حتى ظهرت أمامي بئر عميقة. لم يكن لدي وقت للتفكير؛ فالكلب أصبح على بعد خطوات مني.

قفزت داخل البئر.

وما إن وصلت إلى قاعها حتى استيقظت من النوم.

كنت ألهث، وقلبي يكاد يخرج من صدري. عندما لمست وجهي، وجدت عليه خدوشًا تنزف، كما كانت هناك جروح صغيرة في يدي.

حاولت النهوض لأغسل الدم، لكنني سقطت على الأرض.

نظرت إلى قدميّ، فوجدتهما معقوفتين ومتصلبتين بصورة مخيفة. حاولت تحريكهما، لكنهما لم تستجيبا.

صرخت بكل ما أوتيت من قوة.

دخل والداي مسرعين. وعندما رأيا قدميّ، انهارت أمي باكية. حملني أبي وأعادني إلى الفراش، ثم خرج ليستدعي الراقي.

المواجهة الأخيرة

عاد الراقي بعد وقت قصير، وكان برفقته راقٍ آخر.

بدأ الأول بقراءة القرآن، بينما أخذ الثاني يرش أرجاء الغرفة بالماء الذي قرأ عليه.

شعرت بأن الغرفة تدور من حولي، ثم فقدت الإحساس بكل شيء.

لا أعرف كم مر من الوقت قبل أن أفتح عيني.

كان الرجلان لا يزالان يقرآن، لكنني رأيت شيئًا لم يرياه.

كانت جميلة ملتصقة بسقف الغرفة.

لم تعد الفتاة الهادئة الجميلة التي عرفتها في القرية. كان وجهها شاحبًا، وعيناها واسعتين بصورة مرعبة، وأطرافها تتحرك بطريقة غير بشرية.

بدأت تنزل من السقف عبر الجدار، بخفة تشبه حركة العنكبوت.

وصلت إلى الأرض، ثم وقفت أمام باب الغرفة ونظرت إليّ طويلًا.

لم تتكلم، لكن نظرتها كانت ممتلئة بالغضب والوعيد.

بعد لحظات، اختفت في لمح البصر.

في اللحظة نفسها، شعرت براحة عظيمة تسري في جسدي، وكأن حملًا ثقيلًا ظل جاثمًا فوق صدري ثم أزيح فجأة.

توقفت القراءة، ونظر إليّ الراقي قائلًا:

— حمدًا لله على سلامتك يا بني. لقد انتهى شقاؤك، وغادرت الجنية.

نظرت إلى قدميّ، فوجدتهما قد عادتا إلى وضعهما الطبيعي. حركتهما، ثم جلست على الفراش غير مصدق.

قال الراقي:

— لكن عليك أن تكون حذرًا. قد تحاول العودة إن أهملت نفسك.

سألته بخوف:

— وكيف أحمي نفسي منها؟ لقد عذبتني كثيرًا.

ابتسم وقال:

— حافظ على الصلوات الخمس دون تأخير، والتزم بأذكار الصباح والمساء، واقرأ كل يوم ما تيسر لك من القرآن، وأكثر من الدعاء. فالله وحده هو الحافظ من كل شر.

اتبعت نصيحته، وحافظت على ما طلبه مني.

وبمرور الأيام، تحسنت حالتي النفسية، وعدت إلى دراستي وحياتي الطبيعية. حتى علاقتي بأسرتي أصبحت أفضل مما كانت عليه.

مرت الآن أكثر من خمسة أعوام على تلك الحادثة، ولم أرَ جميلة مرة أخرى، ولم يعد الرجل الأسود ليأخذني إلى ذلك القصر.

لكنني ما زلت، كلما رأيت قطة سوداء بعينين زرقاوين، أتذكر تلك الليلة عند البئر، وأتساءل:

هل قتلت القطة فعلًا عندما رميتها من النافذة؟

أم أنها لم تكن قطة منذ البداية؟

كاتب

إرسال التعليق

error: