جاري التحميل الآن

أوم شنريكيو: الطائفة التي أرادت إشعال نهاية العالم

في صباح العشرين من مارس عام 1995، كانت طوكيو تستيقظ كعادتها على حركة القطارات وضجيج الموظفين والطلاب المتجهين إلى أعمالهم ومدارسهم. بدا كل شيء طبيعيًا، ولم يكن أحد يتوقع أن تتحول رحلة المترو اليومية إلى واحدة من أكثر الحوادث رعبًا في تاريخ اليابان الحديث.

دخل عدد من الرجال إلى عربات مختلفة وهم يحملون أكياسًا بداخلها مادة سائلة. وضعوا الأكياس على أرضية القطارات، ثم أحدثوا فيها ثقوبًا وغادروا بسرعة. بعد دقائق، بدأ الركاب يشعرون بشيء غريب. انتشر ألم حاد في العيون، وبدأ البعض يسعلون ويختنقون، بينما سقط آخرون على الأرض وهم عاجزون عن الحركة.

لم يكن الركاب يعرفون أنهم تعرضوا لغاز السارين، وهو مادة شديدة السمية تؤثر في الجهاز العصبي. ولم يكن الهجوم عشوائيًا أو من تنفيذ شخص منفرد، بل كان عملية منظمة نفذها أعضاء جماعة غامضة عرفت باسم أوم شنريكيو.

أسفر الهجوم عن مقتل عدد من الأشخاص وإصابة آلاف آخرين بدرجات متفاوتة، وظل بعض الناجين يعانون آثارًا صحية ونفسية لسنوات طويلة. لكن القصة لم تبدأ في عربات المترو، ولم تبدأ بالقتل أو الغازات السامة. لقد بدأت قبل ذلك بسنوات، داخل مركز صغير لليوغا والتأمل.

كان مؤسس الجماعة رجلًا يدعى تشيزو ماتسوموتو، لكنه غير اسمه لاحقًا إلى شوكو أساهارا. وُلد عام 1955، وكان يعاني ضعفًا شديدًا في البصر. في ثمانينيات القرن الماضي، بدأ بتقديم دروس في اليوغا والتأمل، وقدم نفسه على أنه معلم روحي يمتلك قدرات خارقة ومعرفة لا يملكها الآخرون.

كانت اليابان في ذلك الوقت تعيش حالة من التقدم الاقتصادي والتنافس الشديد، لكن كثيرًا من الشباب كانوا يشعرون بالوحدة والفراغ وفقدان المعنى. استغل أساهارا ذلك الشعور، ووعد أتباعه بالسلام الداخلي والوصول إلى مستويات أعلى من الوعي.

مزج أفكارًا من البوذية والهندوسية والمسيحية، وأضاف إليها معتقدات خاصة به حول نهاية العالم والحرب القادمة. ومع مرور الوقت، لم يعد يظهر في صورة معلم للتأمل فقط، بل بدأ يقدم نفسه باعتباره شخصًا مختارًا وقادرًا على إنقاذ البشرية.

الغريب أن الجماعة لم تجذب أشخاصًا بسطاء فقط، بل انضم إليها أطباء ومهندسون ومحامون وعلماء وخريجون من جامعات مرموقة. وهذا ما جعل قصتها أكثر إثارة للدهشة. كيف يمكن لأشخاص متعلمين أن يصدقوا ادعاءات بهذا الحجم؟

كانت الإجابة في الطريقة التي تعاملت بها الجماعة مع أعضائها. فقد شجعتهم على الابتعاد عن أسرهم، وقطع علاقاتهم مع المجتمع الخارجي، والتخلي عن ممتلكاتهم وأموالهم لصالح التنظيم. كان الأعضاء يعيشون داخل مجمعات مغلقة، حيث لا يسمعون إلا كلام الزعيم وتعليماته.

مع مرور الوقت، أصبح الشك في أساهارا نوعًا من الخيانة، وأصبحت طاعته أمرًا مطلقًا لا يحتمل النقاش. كان الأتباع يشترون منتجات مرتبطة به، ويشاركون في تدريبات قاسية، ويستخدمون أجهزة زعمت الجماعة أنها تساعدهم على توحيد أفكارهم وموجات أدمغتهم مع عقل الزعيم.

بدأ أساهارا يتحدث باستمرار عن حرب عالمية كبرى ستقضي على معظم البشر. وكان يؤكد أن أتباعه وحدهم سينجون منها. ومع تكرار هذه الفكرة، أصبح العالم الخارجي في نظر أعضاء الجماعة مكانًا فاسدًا وعدائيًا، وصار كل شخص يعارضهم يمثل خطرًا يجب التخلص منه.

في عام 1989، وقف محامٍ ياباني يدعى تسوتسومي ساكاموتو ضد الجماعة، وساعد بعض الأسر التي كانت تحاول استعادة أبنائها منها. لم يكن الأمر مقبولًا بالنسبة إلى قادة أوم شنريكيو. بعد ذلك، اختفى المحامي مع زوجته وطفله الرضيع، ثم اتضح لاحقًا أنهم قُتلوا على يد أشخاص مرتبطين بالجماعة.

كانت تلك الجريمة علامة واضحة على أن التنظيم لم يعد مجرد جماعة روحية غريبة، بل تحول إلى كيان عنيف ومستعد للقتل من أجل حماية نفسه.

أنشأ أساهارا داخل الجماعة نظامًا يشبه الحكومة، ومنح أتباعه مناصب تحمل أسماء وزارات، مثل وزارة العلوم ووزارة الصحة. لم تكن هذه الأسماء رمزية فقط، لأن كل قسم كان يؤدي دورًا حقيقيًا داخل التنظيم.

استفاد قادة الجماعة من خبرات الأطباء والعلماء والمهندسين الذين انضموا إليهم، وأنشؤوا مختبرات سرية، واشتروا معدات ومواد كيميائية، وبدأوا بمحاولات لإنتاج أسلحة قادرة على قتل أعداد كبيرة من الناس.

داخل مجمعاتهم القريبة من جبل فوجي، تحولت أفكار نهاية العالم إلى مشاريع حقيقية وخطيرة. عمل بعض أعضاء الجماعة على إنتاج غاز السارين ومواد سامة أخرى. كما حاولوا تطوير أسلحة بيولوجية، رغم أن كثيرًا من تلك المحاولات لم ينجح.

في يونيو عام 1994، استخدمت الجماعة غاز السارين في مدينة ماتسوموتو اليابانية. كان الهدف منطقة يقيم فيها قضاة ينظرون في قضية قد تؤثر في مصالح التنظيم. أدى الهجوم إلى مقتل عدد من الأشخاص وإصابة آخرين، لكن السلطات لم تتمكن حينها من ربط الجريمة بالجماعة بشكل حاسم.

كان ذلك الهجوم تجربة لما سيحدث لاحقًا في طوكيو.

بحلول بداية عام 1995، بدأت الشرطة تقترب من أوم شنريكيو، وأصبح قادة الجماعة يخشون مداهمة مقراتهم وكشف أسرارهم. لذلك اتخذوا قرارًا بتنفيذ هجوم واسع داخل شبكة المترو في العاصمة.

اختاروا ساعة الذروة، عندما تكون القطارات مكتظة بالموظفين والطلاب. استهدفوا خطوطًا تمر بالقرب من المؤسسات الحكومية المهمة، ثم وزعوا المنفذين على عدد من القطارات.

دخل كل شخص وهو يحمل أكياسًا تحتوي على السارين، ووضعها على أرضية العربة، ثم أحدث فيها ثقوبًا وغادر. لم ينتشر الغاز بأقصى فعالية ممكنة، وربما ساهم ذلك في تقليل عدد الضحايا، لكنه تسبب رغم ذلك في كارثة كبيرة.

تحولت المحطات إلى مشاهد من الفوضى. كان المصابون يتعثرون أو يسقطون، بينما حاول آخرون مساعدة من حولهم دون أن يعرفوا طبيعة المادة السامة. تعرض بعض عمال المترو والمسعفين للتسمم أثناء محاولتهم إنقاذ الركاب.

خلال ساعات، أدركت اليابان أنها تواجه هجومًا كيميائيًا نفذه تنظيم من داخل البلاد.

بعد الحادثة، داهمت الشرطة مقرات الجماعة في مناطق مختلفة. عثرت على مختبرات ومعدات ومواد كيميائية وأدلة كشفت حجم الخطر الذي كان التنظيم يمثله.

اختبأ أساهارا داخل أحد المباني التابعة للجماعة، لكنه اعتُقل في مايو عام 1995. وخلال التحقيقات والمحاكمات، ظهرت سلسلة من الجرائم التي ارتبطت بأوم شنريكيو، من بينها القتل والخطف والتعذيب والتجارب الكيميائية.

استمرت المحاكمات سنوات طويلة، وصدر حكم بالإعدام على أساهارا وعدد من كبار أتباعه. وفي عام 2018، نُفذت الأحكام في عدد منهم.

لكن انتهاء المحاكمات لم ينهِ آثار الجريمة. فقد ظل كثير من الناجين يعانون مشكلات في النظر والذاكرة والجهاز العصبي، إضافة إلى القلق والخوف والاضطرابات النفسية. كما بقيت عائلات الضحايا تحمل ألم الحادثة بعد مرور سنوات طويلة.

أكثر ما يثير الرعب في قصة أوم شنريكيو ليس فقط قدرتها على إنتاج مادة قاتلة أو تنفيذ هجوم داخل مدينة كبرى، بل قدرتها على السيطرة على عقول أشخاص متعلمين وتحويلهم إلى أدوات تنفذ أوامر الزعيم.

فالتعليم وحده لا يكفي دائمًا لحماية الإنسان من التلاعب النفسي. استغل أساهارا حاجة أتباعه إلى الانتماء والطمأنينة، وقدم لهم إجابات جاهزة عن الحياة والموت والمستقبل. ثم أقنعهم بأن العالم عدو، وأنه الوحيد القادر على إنقاذهم.

لم تتحول الجماعة إلى تنظيم قاتل في يوم واحد. بدأ الأمر بوعد بالسلام النفسي، ثم تحول إلى طاعة، وبعدها إلى عزلة، ثم إلى خوف، وأخيرًا إلى تبرير العنف.

لهذا بقيت قصة أوم شنريكيو واحدة من أخطر الأمثلة على كيفية تحول جماعة روحية إلى تنظيم متطرف. بدأت الحكاية بجلسات اليوغا والتأمل، وانتهت بعربات مترو مليئة بالركاب الذين كانوا يحاولون فقط الوصول إلى أعمالهم في صباح عادي.

كاتب

  • Munir

    سراديب... حيث لا يُرى كل ما هو موجود، ولا يُقال كل ما يُعرف
    هنا تبدأ الرحلة من وراء الحجاب؛
    حيث تصمت الحواس قليلًا، لتتكلم الإشارات، وتتعانق المعرفة مع الحدس، ويذوب الفاصل بين ما نؤمن به وما نعجز عن تفسيره.
    في سراديب، نهبط إلى طبقات التجربة الخفية؛ إلى الأحلام التي تحمل أكثر مما تقول، والرموز التي تطرق أبواب الوعي، والطاقات التي تُحس ولا تُمس، والظواهر التي تترك أثرها ثم تنسحب إلى الظل.

    نصغي لما بين الكلمات، ونتتبع ما يمرّ عابرًا بين اليقظة والمنام، بين الروح والعقل، بين المعلوم وما ظلّ مستترًا منذ البدء.
    لسنا هنا لنثبت الغيب، ولا لننكره...
    بل لنقترب من عتبته.
    فبعض الأبواب لا تُفتح بالمفاتيح،
    وبعض الأسرار لا تُمنح إلا لمن دخل السراديب مختارًا.

إرسال التعليق

error: