جاري التحميل الآن

جريمة ليلة الألفية

في الساعات الأولى من عام 2000، كانت مدينة النوران تحتفل ببداية الألفية الجديدة. امتلأت الشوارع بالألعاب النارية، وتعالت الموسيقى من المقاهي، بينما ازدحمت الساحة الرئيسية بمئات الأشخاص الذين ظلوا يرددون العد التنازلي حتى دقت الساعة الثانية عشرة.

لكن في الطرف الآخر من المدينة، وتحديدًا داخل بناية قديمة في شارع المحطة، وقعت جريمة لم يسمع بها أحد إلا بعد انتهاء الاحتفالات.

في تمام الساعة الثانية عشرة وسبع عشرة دقيقة، تلقى مركز الشرطة اتصالًا قصيرًا من رجل مجهول قال بصوت مرتجف:

— ستجدونه في الشقة رقم 2000… لكن لا تصدقوا الساعة.

ثم انقطع الخط.

ظن الضابط المناوب أن المتصل مخمور أو يحاول العبث بهم، فالبناية المشار إليها لم تكن تحتوي أصلًا على شقة تحمل ذلك الرقم. ومع ذلك، أُرسلت دورية للتأكد.

وصل المحقق سليم الراوي إلى المبنى بعد نصف ساعة. كان رجلًا في أواخر الثلاثينيات، معروفًا بهدوئه وقدرته على ملاحظة التفاصيل الصغيرة. استقبله حارس البناية، وهو رجل مسن يدعى عماد، وأكد له أن أعلى رقم للشقق هو 24.

لكن حين دخلوا المصعد، لاحظ سليم زرًا صغيرًا أسفل لوحة الأرقام، كُتب عليه بقلم أسود باهت:

2000

ضغط الزر، فتحرك المصعد إلى الأعلى رغم أن البناية لا تتجاوز ستة طوابق. توقفت المقصورة بعد ثوانٍ، وانفتح الباب على ممر ضيق لم يظهر في مخططات المبنى.

في نهاية الممر كان هناك باب واحد.

عليه لوحة معدنية تحمل الرقم: 2000.

فتح رجال الشرطة الباب، فوجدوا غرفة واسعة بلا نوافذ. في وسطها جلس رجل على كرسي خشبي، يرتدي بدلة رسمية سوداء. كان رأسه منحنيًا إلى الأمام، ويده اليمنى تمسك ساعة جيب متوقفة عند الثانية عشرة وسبع عشرة دقيقة.

كان الرجل ميتًا.

تعرفوا إليه بسرعة. اسمه فارس المير، رجل أعمال ثري اختفى قبل ثلاثة أيام، وكانت الصحف تتحدث عن احتمال سفره خارج البلاد.

لم تكن هناك آثار اقتحام أو مقاومة، ولم يظهر على جسده أي جرح واضح. وعلى الطاولة أمامه وُجد شريط تسجيل قديم ورسالة قصيرة:

«كل شيء بدأ عام 1980، وسينتهي عام 2000.»

شغّل سليم الشريط.

خرج صوت فارس متقطعًا:

— نحن أربعة… اتفقنا ألا يتحدث أحد. أخذنا المال وتركناه يموت. قال لنا إنه سيعود بعد عشرين عامًا، لكننا ضحكنا عليه.

ثم سُمع صوت آخر في الخلفية:

— بقيتَ وحدك يا فارس.

انتهى التسجيل بصوت دقات ساعة.

بدأ المحقق بمراجعة ماضي الضحية. اكتشف أن فارس كان شريكًا قبل عشرين عامًا لثلاثة رجال: جمال ناصر، عادل منصور، وحاتم الديب. أسس الأربعة شركة صغيرة عام 1980، ثم تحولت خلال سنوات إلى إمبراطورية تجارية.

الغريب أن الشركاء الثلاثة ماتوا في حوادث متفرقة خلال الأشهر الأخيرة من عام 1999.

جمال غرق داخل سيارته.

عادل سقط من سطح منزله.

حاتم اختنق داخل مكتبه.

وجميع ساعاتهم توقفت عند الثانية عشرة وسبع عشرة دقيقة.

وجد سليم في أرشيف قديم خبرًا عن اختفاء محاسب شاب يدعى مروان شرف عام 1980. كان يعمل لدى الرجال الأربعة، واتهمهم بسرقة أموال الشركة. وبعد أيام اختفى، وأغلقت القضية لعدم وجود دليل.

زار المحقق منزل شقيقة مروان. كانت امرأة مسنة تدعى ليلى، وحين عرض عليها صورة فارس، تغير وجهها.

قالت:

— قتلوا أخي ودفنوه تحت البناية التي بنوها بأمواله.

كانت تقصد بناية شارع المحطة.

طلب سليم تفتيش القبو. وبعد ساعات من الحفر، عُثر على هيكل عظمي داخل صندوق حديدي. وبجانبه ساعة جيب متوقفة عند الثانية عشرة وسبع عشرة دقيقة.

لكن التحاليل كشفت شيئًا أكثر غرابة.

مروان لم يمت عام 1980.

العظام تعود إلى رجل آخر.

في صباح اليوم التالي، استدعى سليم حارس البناية عماد للتحقيق. إلا أن الحارس اختفى، وعندما بحثوا في ملفاته اكتشفوا أن اسمه الحقيقي ليس عماد.

كان اسمه مروان شرف.

تم تعميم صورته في جميع أنحاء المدينة، لكن الشرطة لم تعثر عليه. وفي غرفته الصغيرة وجدوا صور الشركاء الأربعة، وخرائط لمنازلهم، وأشرطة تسجيل عديدة.

ظن الجميع أن القضية انتهت، وأن مروان عاد لينتقم ممن حاولوا قتله قبل عشرين عامًا.

لكن سليم ظل غير مقتنع.

عاد إلى الغرفة رقم 2000، وأعاد فحص الكرسي والطاولة. لاحظ أن ساعة فارس لم تكن معطلة، بل ضُبطت يدويًا. كما اكتشف أن التسجيل لم يُسجل ليلة الجريمة؛ بل قبل سنوات.

ثم وجد أسفل الطاولة نقشًا صغيرًا:

س. ر

كانا الحرفين الأولين من اسم المحقق نفسه: سليم الراوي.

في تلك اللحظة رن هاتف الغرفة.

رفع سليم السماعة، فجاءه صوت مروان هادئًا:

— كنت أعرف أنك ستصل إلى هنا.

— أين أنت؟

— قريب جدًا.

— أنت قتلتهم.

ضحك مروان وقال:

— أنا فقط جعلتهم يتذكرون. الخوف هو الذي قتلهم.

ثم أضاف:

— لكن فارس لم يكن آخرهم.

شعر سليم ببرودة في أطرافه.

تابع الصوت:

— والدك كان الرجل الخامس، أليس كذلك؟

انقطع الاتصال.

تجمد سليم في مكانه. كان والده ضابط الشرطة الذي تولى التحقيق في اختفاء مروان عام 1980، ثم أغلق القضية فجأة قبل أن يشتري منزلًا كبيرًا ويترك الخدمة.

بعد يومين، عُثر على والد سليم ميتًا داخل منزله.

لم تكن هناك آثار عنف.

وفي يده ساعة جيب توقفت عند الثانية عشرة وسبع عشرة دقيقة.

أما الغرفة رقم 2000، فقد اختفت تمامًا.

وحين عاد المهندسون إلى مخططات البناية، أكدوا أنه لم يوجد في ذلك المكان أي طابق إضافي أو ممر سري.

لكن سليم احتفظ بشيء واحد من تلك الليلة.

رسالة وجدها في جيب والده، مكتوب فيها:

«بعض الجرائم لا تنتهي عندما يموت الضحايا، بل عندما يموت آخر شخص يتذكر الحقيقة.»

كاتب

  • Munir

    سراديب... حيث لا يُرى كل ما هو موجود، ولا يُقال كل ما يُعرف
    هنا تبدأ الرحلة من وراء الحجاب؛
    حيث تصمت الحواس قليلًا، لتتكلم الإشارات، وتتعانق المعرفة مع الحدس، ويذوب الفاصل بين ما نؤمن به وما نعجز عن تفسيره.
    في سراديب، نهبط إلى طبقات التجربة الخفية؛ إلى الأحلام التي تحمل أكثر مما تقول، والرموز التي تطرق أبواب الوعي، والطاقات التي تُحس ولا تُمس، والظواهر التي تترك أثرها ثم تنسحب إلى الظل.

    نصغي لما بين الكلمات، ونتتبع ما يمرّ عابرًا بين اليقظة والمنام، بين الروح والعقل، بين المعلوم وما ظلّ مستترًا منذ البدء.
    لسنا هنا لنثبت الغيب، ولا لننكره...
    بل لنقترب من عتبته.
    فبعض الأبواب لا تُفتح بالمفاتيح،
    وبعض الأسرار لا تُمنح إلا لمن دخل السراديب مختارًا.

إرسال التعليق

error: