جاري التحميل الآن

كتاب الموتى والعالم الآخر عند الفراعنة

الموت لم يكن، في نظر المصري القديم، نهاية الحكاية.

كان أشبه بباب.

باب يُغلق على عالم الأحياء، لكنه يفتح في الجهة الأخرى على رحلة مجهولة، مليئة بالبوابات والحراس والاختبارات والآلهة والكائنات المخيفة.

ولكي ينجو الميت من هذه الرحلة، اعتقد المصريون أنه يحتاج إلى المعرفة.

يحتاج إلى أن يعرف الكلمات الصحيحة، وأسماء الحراس، والطريق الذي يجب أن يسلكه، وكيف يدافع عن نفسه، والأهم من ذلك كله: كيف يثبت أنه يستحق حياة أخرى بعد الموت.

من هنا ظهر ما نسميه اليوم «كتاب الموتى المصري».

لكن الاسم قد يكون مضللًا.

فكتاب الموتى لم يكن كتابًا واحدًا له نسخة ثابتة أو مؤلف معروف، بل مجموعة من التعاويذ والنصوص والصلوات الجنائزية التي كان الغرض منها مساعدة المتوفى في رحلته إلى العالم الآخر. وكان بعضها يُكتب على لفائف البردي ويوضع مع الميت داخل القبر، بينما ظهرت نصوص جنائزية مشابهة على التوابيت وجدران المقابر. ويشير المتحف البريطاني إلى أن مصطلح «كتاب الموتى» نفسه تسمية حديثة لهذه المجموعة من النصوص، وليس الاسم الذي استخدمه المصريون القدماء لها.

ومن الأسماء التي يستخدمها الباحثون لترجمة عنوان هذه النصوص: «كتاب الخروج إلى النهار» أو «كتاب الخروج في النهار»، وهي تسمية تحمل معنى مختلفًا تمامًا عن الصورة القاتمة التي يوحي بها اسم «كتاب الموتى».

فالفكرة الأساسية لم تكن تمجيد الموت، بل البحث عن طريق للعودة إلى النور والحياة.

ماذا يحدث بعد أن يموت الإنسان؟

بحسب المعتقدات المصرية القديمة، لم يكن الإنسان مجرد جسد ينتهي بموته.

كانت هويته تتكون من عناصر متعددة، من بينها الجسد و«الكا» المرتبطة بالقوة الحيوية و«البا» المرتبطة بشخصية الفرد وقدرته على الحركة بين العوالم، إضافة إلى الاسم والقلب وعناصر روحية أخرى.

ولهذا كان الحفاظ على الجسد جزءًا مهمًا من الطقوس الجنائزية.

فإذا تحلل الجسد أو تعرض للتدمير، كان هناك خوف من أن تفقد هذه العناصر نقطة الارتباط التي تسمح باستمرار وجود الإنسان في العالم الآخر.

وتصف المصادر المصرية رحلة المتوفى عبر عالم يُعرف باسم «الدوات»، وهو عالم ما بعد الموت الذي كان على الروح أن تعبره قبل الوصول إلى مصيرها النهائي. وتشير مواد المتحف البريطاني إلى أن المصريين تصوروا هذه الرحلة طويلة وصعبة، تنتهي بالنسبة للناجحين بالوصول إلى مكان مثالي يسمى «حقول القصب».

لكن الوصول لم يكن مضمونًا.

رحلة عبر عالم مليء بالأخطار

في الدوات، لم يكن الطريق مفتوحًا.

كانت هناك بوابات.

وكان لكل بوابة حارس.

وفي بعض النصوص كان على المتوفى أن يعرف اسم البوابة واسم الحارس والكلمات التي يجب أن يقولها حتى يُسمح له بالمرور.

الخطأ قد يعني الفشل.

ولهذا تضمنت نصوص كتاب الموتى تعاويذ يُعتقد أنها تحمي المتوفى من الثعابين والتماسيح والكائنات العدائية، وتساعده على عبور البوابات ومواجهة القوى التي تعترض طريقه.

تذكر مواد المتحف البريطاني أن بعض التعاويذ، مثل النصوص المرتبطة بالبوابات، كانت تمنح المتوفى المعلومات التي يحتاج إليها للتعامل مع الحراس أثناء رحلته.

لكن كل تلك الأخطار لم تكن سوى مقدمة للاختبار الأكثر شهرة في العقيدة الجنائزية المصرية.

اختبار لم تكن القوة هي التي تحدد نتيجته.

بل القلب.

محكمة الموتى

يصل المتوفى في إحدى أشهر صور العالم الآخر إلى قاعة الحكم.

هناك يظهر أوزيريس، الإله المرتبط بالموت والبعث والعالم الآخر.

ويقف المتوفى أمام محكمة إلهية ليعلن براءته.

في الفصل 125 من كتاب الموتى نجد ما يعرف حديثًا باسم «الاعتراف السلبي»، حيث يعلن الميت أمام مجموعة من الآلهة أنه لم يرتكب سلسلة من الأفعال المحرمة.

لم أقتل.

لم أتسبب في الجوع.

لم أسرق.

لم أسبب الألم.

لم أعتد على حقوق الآخرين.

لم أتلاعب بالموازين.

كانت هذه العبارات، بصيغ مختلفة، جزءًا من إعلان المتوفى أنه عاش وفق النظام الأخلاقي والكوني الذي مثله مفهوم «ماعت»: الحق والعدل والنظام والتوازن.

وتوضح نصوص جامعة كوليدج لندن أن الفصل 125 يتضمن إعلان المتوفى براءته أمام المحكمة، ويرتبط ارتباطًا وثيقًا بمشهد وزن القلب أمام أوزيريس.

لكن الكلمات وحدها لم تكن كافية.

كان هناك ميزان.

وزن القلب أمام ريشة ماعت

هذا هو أحد أشهر المشاهد التي وصلتنا من مصر القديمة.

يوضع قلب المتوفى في إحدى كفتي الميزان.

وفي الكفة الأخرى توضع ريشة ترمز إلى «ماعت»، أي الحقيقة والعدالة والنظام.

كان القلب يحمل أهمية استثنائية في الفكر المصري القديم؛ فقد ارتبط بالشخصية والذاكرة والسلوك والقيمة الأخلاقية للإنسان.

والآن حانت لحظة الاختبار.

هل عاش صاحبه حياة منسجمة مع ماعت؟

أم أن قلبه يحمل ما يدينه؟

تظهر مشاهد كتاب الموتى الإله أنوبيس وهو يشرف على الميزان، بينما يرتبط تحوت بتسجيل نتيجة الحكم، ويجلس أوزيريس في مقام القاضي أو سيد العالم الآخر.

ويؤكد متحف المتروبوليتان أن مشهد «وزن القلب» كان جزءًا من الطقس الذي يثبت فيه المتوفى أنه عاش وفق النظام الأخلاقي المطلوب قبل دخوله إلى الحياة الأبدية.

لكن بالقرب من الميزان كان ينتظر كائن مرعب.

اسمه «عمعمت».

ماذا يحدث إذا فشل المتوفى؟

عمعمت كائن أسطوري هجين، ارتبط في الصور المصرية بأجزاء من حيوانات خطرة مثل التمساح والأسد وفرس النهر.

وظيفته مرعبة وبسيطة.

التهام قلب من يفشل في الاختبار.

وتوضح المصادر التعليمية للمتحف البريطاني أن من يفشل في وزن القلب لا يصل إلى الحياة المباركة في حقول القصب، بل يصبح قلبه فريسة لعمعمت.

لكن الأمر لا يعني بالضرورة صورة «الجحيم» كما ظهرت في تصورات دينية لاحقة.

الخطر الأعظم في بعض التصورات المصرية كان شيئًا ربما بدا لهم أكثر رعبًا:

الفناء النهائي.

أن يُحرم الإنسان من استمرار وجوده في العالم الآخر.

ويصف المتحف البريطاني هذه النتيجة بأنها نوع من «الموت الثاني»، حيث يفقد المتوفى إمكانية استمرار حياته بعد الموت.

أما من ينجح…

فتبدأ له حياة أخرى.

حقول القصب: الجنة كما تخيلها المصريون

بعد اجتياز المحاكمة، يمكن للمتوفى أن يصل إلى ما عرف باسم «حقول القصب».

لكن الجنة المصرية لم تكن عالمًا غريبًا بالكامل.

كانت، في كثير من الصور، نسخة مثالية من مصر.

حقول خصبة.

مياه وقنوات.

محاصيل وفيرة.

شمس.

لقاء مع الآلهة والأقارب الذين ماتوا من قبل.

حياة تستمر، لكن من دون كثير من أوجاع الحياة الأرضية.

يصف المتحف البريطاني حقول القصب بأنها نسخة مثالية من مصر، فيها النباتات والأنهار والحقول، ويمكن للمتوفى فيها أن يجتمع مع أقاربه ويعيش في حالة من السلام والوفرة.

لكن ظهرت مشكلة صغيرة حتى في الجنة.

العمل.

فإذا كانت الحياة الأخرى تشبه مصر، فهذا يعني أن هناك حقولًا تحتاج إلى الزراعة وأعمالًا يجب إنجازها.

وهنا ظهر حل غريب.

تماثيل صغيرة تعرف باسم «الأوشابتي» أو «الشوابتي».

كانت توضع في المقابر، ووفق المعتقد الجنائزي كان يُفترض أن تؤدي الأعمال المطلوبة نيابة عن المتوفى عندما يُستدعى للعمل في العالم الآخر.

حتى الموت، على ما يبدو، لم يكن عذرًا كافيًا للهروب من العمل.

لماذا كانت التعاويذ ضرورية؟

عندما ننظر إلى كتاب الموتى اليوم، قد يبدو لأول وهلة كتابًا من السحر القديم.

لكن بالنسبة لمن استخدموه، كان أقرب إلى دليل نجاة.

بعض النصوص تحمي الجسد.

بعضها يساعد المتوفى على التنفس والشرب والأكل.

بعضها يحميه من الكائنات العدائية.

بعضها يمنحه أسماء الحراس والبوابات.

وبعضها يتعلق بالقلب نفسه.

فقد كان هناك خوف من أن يشهد قلب الإنسان ضده أثناء المحاكمة.

ولهذا ارتبطت إحدى التعاويذ الشهيرة، التي تعرف باسم التعويذة 30B، بمحاولة منع القلب من الوقوف ضد صاحبه في لحظة الحكم.

لم يكن المصري يريد أن يصمت أعداؤه فقط.

كان يريد أن يضمن حتى أن قلبه لن يخونه.

هل كان لكل مصري كتاب موتى؟

لا.

هذه نقطة مهمة.

لم تكن هناك نسخة واحدة موحدة يحملها كل شخص.

كان كتاب الموتى مجموعة مرنة من النصوص يمكن اختيار أجزاء منها بحسب الفترة التاريخية والإمكانات المادية والمكانة الاجتماعية.

وكان إعداد لفافة بردي مزخرفة بالنصوص والرسوم عملية مكلفة.

ويذكر المتحف البريطاني أن الأثرياء وأصحاب المكانة كانوا أقدر على امتلاك نسخ مفصلة، بل إن بعض اللفائف كانت تُجهز مسبقًا مع ترك مكان فارغ لإضافة اسم المشتري لاحقًا.

بمعنى آخر، حتى الاستعداد للعالم الآخر كان يتأثر بالثروة والمكانة في العالم الأول.

هل كان المصريون مهووسين بالموت؟

من السهل أن ننظر اليوم إلى المومياوات والمقابر والتوابيت وكتاب الموتى ونستنتج أن المصري القديم كان يعيش حياته في خوف دائم من الموت.

لكن الصورة أكثر تعقيدًا.

كل هذا الاهتمام بالموت قد يكون في حقيقته تعبيرًا عن تمسك هائل بالحياة.

المصري لم يكن يريد أن يختفي.

كان يريد أن يستيقظ مرة أخرى.

أن يتنفس.

أن يأكل.

أن يرى الشمس.

أن يعرفه الآخرون باسمه.

أن يلتقي بأسرته.

وأن يستمر وجوده إلى الأبد.

لهذا لم يكن الموت، وفق هذه المعتقدات، نهاية الطريق.

بل أخطر مرحلة فيه.

السؤال الذي تركه كتاب الموتى خلفه

بعد آلاف السنين ما زال مشهد الميزان واحدًا من أكثر صور مصر القديمة إثارة للتأمل.

إنسان يقف وحده.

لا يحمل ذهبًا.

لا جيشًا.

لا منصبًا.

ولا يستطيع أن يأخذ معه ما جمعه في حياته.

أمامه ميزان.

وفي كفة الميزان قلبه.

وفي الأخرى ريشة.

ربما لهذا بقي كتاب الموتى مثيرًا حتى اليوم.

ليس لأنه يخبرنا بما يحدث فعلًا بعد الموت؛ فهذه مسألة تتجاوز ما يستطيع علم الآثار إثباته.

بل لأنه يخبرنا كيف حاولت حضارة عاشت قبل آلاف السنين الإجابة عن سؤال لا يزال الإنسان يسأله حتى الآن:

ماذا ينتظرنا عندما تنتهي الحياة؟

وهل هناك شيء في الجانب الآخر؟

كاتب

إرسال التعليق

error: