العينان فوق السياج: أغرب ليلة مع عازف الكمان
قبل نحو عامين، انتقلت إلى منزل جديد في منطقة سكنية حديثة في أستراليا. كنت من أوائل الأشخاص الذين انتهوا من بناء منازلهم هناك، وكل ما كان يشغل تفكيري وقتها هو أنني أخيرًا سأعيش وحدي في منزل أملكه بالكامل.
في الأسابيع الأولى، كان كل شيء طبيعيًا وهادئًا.
كانت المنطقة ما تزال شبه خالية، والبيوت قليلة جدًا. معظم الطرق انتهى تعبيدها، وقطع الأراضي المحيطة وُضعت عليها العلامات التي تحدد ملكيتها، لكنها بقيت فارغة تنتظر من يبدأ البناء عليها.
لم يكن بالقرب مني سوى منزل واحد يقع في الجهة المقابلة. كان المنزل مكتمل البناء تقريبًا، لكنه لم يكن يحتوي حتى على ممر خاص للسيارة، لذلك كنت متأكدًا من أن أحدًا لم ينتقل للسكن فيه بعد.
أما على يسار منزلي، وعلى مسافة بضع مئات من الأمتار، فكانت هناك أراضٍ مفتوحة وحقل زراعي، يتوسطها منزل ريفي قديم ومتهالك يقف وحيدًا وسط المكان.
ذلك المنزل أثار فضولي منذ اليوم الأول.
كنت أخرج بعد الظهر مع كلبي، ونتجول في المنطقة والأراضي المحيطة. وفي كثير من المرات كنت أقترب من ذلك البيت القديم لألقي نظرة عليه من بعيد. لم يكن هناك سبب محدد لذلك، لكن وجود منزل مهجور ومنعزل وسط تلك المساحات المفتوحة كان يجعلني أشعر بأن وراءه قصة ما.
مر شهر أو شهران تقريبًا دون أن يحدث أي شيء غير طبيعي.
ثم جاء ذلك الصباح.
استيقظت على صوت كمان.
في البداية لم أشعر بالخوف. على العكس، بقيت مستلقيًا لبعض الوقت أستمع إلى الموسيقى، فقد كان العزف واضحًا وجميلًا إلى حد ما.
افترضت فورًا أن أصحاب المنزل المقابل قد انتقلوا أخيرًا للسكن فيه، وأن أحدهم يعزف الكمان.
شعرت بالسعادة.
أخيرًا سيكون لدي جيران قريبون يمكنني التحدث معهم.
نهضت من فراشي، وسحبت الستارة، ونظرت من النافذة باتجاه المنزل المقابل.
كان مظلمًا.
فارغًا تمامًا.
لم تكن هناك سيارة أمامه، ولا أضواء، ولا أي علامة تدل على أن أحدًا يسكن هناك.
حاولت ألا أفكر كثيرًا في الأمر.
ذهبت لأغسل وجهي وأرتدي ملابسي، وخلال دقائق توقف صوت الكمان تمامًا.
تكرر الأمر بعد ذلك.
في بعض الصباحات كنت أستيقظ على صوت عزف يأتي من مكان ما في الخارج. كان يبدأ عادة في الساعات الأولى جدًا من الصباح، قبل شروق الشمس، ثم يتوقف بعد فترة قصيرة.
كنت أتجاهله في البداية.
لكن فضولي تغلب علي في النهاية.
في أحد الصباحات، بمجرد أن أيقظني العزف، قفزت من فراشي وذهبت مباشرة نحو الباب.
فتحته وخرجت.
كان الضوء ما يزال خافتًا، والسماء في تلك المرحلة الرمادية التي تسبق الشروق.
وقفت أمام المنزل أحاول تحديد مصدر الصوت.
نظرت يمينًا ويسارًا.
ثم رفعت عيني نحو التل الواقع إلى يسار منزلي.
وهناك رأيته.
كان شخصًا يقف أعلى التل ويعزف على الكمان.
لم أستطع رؤية وجهه بوضوح بسبب المسافة والظلام، لكنني استطعت تمييز جسده.
كان طويلًا بشكل لافت.
والأغرب أنه لم يكن واقفًا بهدوء أثناء العزف.
كان يتحرك.
يرقص ويدور حول نفسه بينما يعزف.
بقيت أحدق فيه لثوانٍ، غير متأكد مما أراه.
ثم أبعدت عيني للحظة قصيرة فقط كي آخذ جريدة الصباح من أمام المنزل.
ربما لم تمر عشر ثوانٍ.
وفجأة توقف الكمان.
رفعت رأسي بسرعة نحو التل.
كان الرجل ما يزال هناك.
لكنه لم يعد يعزف.
ولم يعد يرقص.
كان واقفًا بلا حركة.
ينظر في اتجاهي.
لا أعرف إن كنت أستطيع القول إنه كان ينظر مباشرة إلى عيني بسبب المسافة، لكنني شعرت بذلك بوضوح.
وقفنا هكذا، كل واحد منا يراقب الآخر.
مرت ثوانٍ بدت أطول بكثير مما كانت عليه في الحقيقة.
ثم بدأ الخوف يتسلل إلي.
تراجعت ببطء إلى الخلف، ودخلت المنزل وأغلقت الباب.
منذ ذلك الصباح، بدأت الأمور تتغير.
أثناء خروجي مع كلبي لاحظت آثار أقدام بالقرب من منزلي، داخل حدود ممتلكاتي.
لم تكن آثاري.
ولم أرها من قبل.
حاولت إقناع نفسي بأن أحد العمال أو المارة ربما دخل الأرض بالخطأ.
لكن في اليوم التالي حدث شيء آخر.
لم أستيقظ على عزف الكمان.
بدلًا من ذلك، سمعت بوضوح خطوات شخص يمشي بمحاذاة نافذة المنزل.
كنت متأكدًا تمامًا مما سمعته.
خطوات بطيئة لشخص يتحرك في الخارج.
حاولت النظر، لكنني لم أرَ أحدًا.
ثم بدأت المكالمات الغريبة.
أثناء وجودي في العمل، كنت أتلقى اتصالات من أرقام لا أعرفها.
كلما أجبت ووضعت الهاتف على أذني، ينقطع الاتصال فورًا.
مرة بعد أخرى.
في تلك الفترة توقفت تمامًا عن التجول قرب الحقول والمنزل الريفي القديم.
لم أعد أرغب في رؤية ذلك الرجل مرة أخرى.
كنت أحاول العودة إلى حياتي الطبيعية، إلى أن جاءت ليلة جعلت الأمر أسوأ بكثير.
كنت في المنزل، أطفأت التلفاز في غرفة المعيشة، ثم ذهبت إلى غرفتي لأستعد للنوم.
وفجأة سمعت الكمان.
كان الصوت هذه المرة منخفضًا جدًا.
هادئًا.
لكنه واضح.
تجمدت في مكاني.
الشيء الذي أخافني لم يكن مجرد سماع الموسيقى.
بل الوقت.
كانت الساعة تقارب منتصف الليل.
عازف الكمان لم يظهر من قبل إلا في ساعات الصباح الأولى.
اقتربت بحذر من النافذة الأمامية ونظرت إلى الخارج.
عندها لاحظت ضوءًا داخل المنزل المقابل.
لأول مرة كان هناك ضوء في ذلك البيت.
لكنه لم يكن ضوء مصباح كهربائي.
كان خافتًا ومتذبذبًا، كأنه صادر عن شمعة.
بقيت أراقب المنزل.
بعد لحظات أدركت شيئًا آخر.
الموسيقى لم تكن تأتي من شخص يعزف مباشرة هذه المرة.
بدت وكأنها مسجلة وتصدر من جهاز ما داخل المنزل.
وقفت نحو عشر دقائق أراقب النوافذ.
لم أرَ شخصًا يتحرك.
لم أرَ ظلًا.
لا شيء.
ابتعدت عن النافذة وأنا أشعر بانقباض شديد، وحاولت تجاهل الأمر.
لكن أكثر ليلة مرعبة لم تأتِ إلا بعد ذلك.
كنت ألعب على جهاز الكمبيوتر في غرفة المكتب مرتديًا سماعات الرأس.
كان المنزل هادئًا تمامًا، ولم أكن أسمع سوى صوت اللعبة في أذني.
بعد فترة شعرت بالجوع، فنهضت وذهبت إلى المطبخ لأخذ شيء من الثلاجة.
فتحتها، أخذت ما أريده، ثم استدرت للعودة.
عندها لاحظت شيئًا غريبًا عند نافذة غرفة المكتب.
كان هناك ضوء خافت خارجها.
لم أفهم مصدره.
اقتربت من النافذة.
خطوة بعد أخرى.
حتى أصبحت قريبًا جدًا منها.
وعندها فهمت.
لم يكن ما أراه ضوءًا.
كانتا عينين.
عينان فوق السياج.
شخص ما كان يقف في الخارج، وينظر إلي من فوقه.
لم ترمش العينان.
لم تتحركا.
كانتا مثبتتين علي.
للحظات لم يستوعب عقلي ما أراه.
ظللت أحدق فيهما وكأنني أحاول إقناع نفسي بأنهما ليستا حقيقيتين.
ثم انهار جسدي قبل أن يستوعب عقلي الموقف.
سقطت على الأرض واختبأت أسفل مستوى النافذة.
كان قلبي ينبض بعنف لدرجة أنني كنت أسمعه بوضوح.
بقيت محنيًا على الأرض أحاول فهم ما يحدث.
وفي تلك اللحظة بدأ الكمان.
من جديد.
لكن هذه المرة كان الصوت قريبًا جدًا.
كان يأتي من خارج نافذتي مباشرة.
لم يكن العزف يشبه الألحان التي سمعتها سابقًا.
كان غريبًا.
مضطربًا.
وكأن الشخص في الخارج لا يعزف موسيقى بقدر ما يحاول إصدار أصوات مزعجة ومخيفة من الآلة.
كانت الأنوار في المنزل مطفأة، لكن شاشة الكمبيوتر ما تزال مضيئة.
أردت النهوض لإطفائها حتى لا يتمكن من رؤيتي.
لكن جسدي لم يكن يستجيب.
ثم بدأ كلبي، الذي كان في الحديقة الخلفية، بالنباح.
نباح قوي ومتواصل.
وفجأة توقف الكمان.
حل الصمت.
بقيت على الأرض بلا حركة.
ثم سمعت كلبي ينبح مرة أخرى.
بعدها سمعت شيئًا جعلني أنهض رغم خوفي.
خطوات.
الشخص الموجود خارج المنزل كان يتحرك باتجاه الحديقة الخلفية.
باتجاه كلبي.
في تلك اللحظة لم أفكر في نفسي.
فكرت فقط في كلبي.
نهضت وركضت نحو الباب الخلفي.
عندما وصلت، رأيت كلبي واقفًا في الحديقة.
كان ثابتًا في مكانه، ينظر نحو الظلام.
فتحت الباب ببطء.
عادة، بمجرد أن أفتح له الباب، يركض إلى الداخل فورًا.
لكنه هذه المرة لم يتحرك.
بقي واقفًا.
جسده مشدود، وعيناه مثبتتان على نقطة ما خارج مجال رؤيتي.
كان هناك شيء داخلي يصرخ بي ألا أخرج.
لكنني لم أستطع تركه وحده.
خرجت بحذر، ووقفت خلفه، ثم أمسكت بطوقه وحاولت سحبه نحو الباب.
كلبي من نوع لابرادور، وكان ثقيلًا وقويًا.
والأغرب أنه كان يرفض الحركة تمامًا.
شدّ نفسه إلى الأرض وكأنه لا يريد التراجع.
حاولت سحبه بقوة أكبر.
وفجأة أطلق نباحًا لم أسمعه منه في حياتي.
لم يكن نباح خوف.
كان نباحًا عدوانيًا وعنيفًا، كما لو أنه يحذر شيئًا في الظلام من الاقتراب.
توقفت.
وبقيت بجانبه.
لا أعرف كم مر من الوقت.
ربما ثوانٍ.
ربما دقائق.
ثم سمعنا خطوات خلف السياج.
شخص يمشي مبتعدًا.
ابتعد الصوت تدريجيًا حتى اختفى.
عندها فقط تغير كلبي.
استرخى جسده فجأة.
رفع رأسه ونظر إلي.
ثم استدار ودخل المنزل من تلقاء نفسه.
دخلت خلفه فورًا وأغلقت الباب.
أخذته معي إلى غرفة النوم، وصعد إلى الفراش بجانبي.
غطيت نفسي وبقيت مستيقظًا حتى الصباح.
لم أغمض عيني لحظة واحدة.
الغريب أن تلك كانت آخر مرة أرى فيها عازف الكمان.
في صباح اليوم التالي، بمجرد أن أشرقت الشمس، اتصلت بمديري وأخبرته أنني مريض ولن أذهب إلى العمل.
ثم اتصلت بالشرطة.
جاء الضباط وفتشوا المنطقة المحيطة بالمنزل.
وجدوا آثار أقدام واضحة في التراب.
لكنهم لم يجدوا الشخص.
ولا أي دليل يمكن أن يقود إليه.
عندما طلبوا مني وصفه، لم أستطع إعطاءهم الكثير.
كل ما كنت متأكدًا منه أنه كان طويلًا جدًا.
أخبرتهم أنه استطاع النظر إلي من فوق السياج.
قال أحد الضباط إنه ربما كان يقف فوق صندوق أو شيء مرتفع.
كما أخبروني أنهم لم يتلقوا أي بلاغات سابقة عن شخص يعزف الكمان في المنطقة، ولم يرَ أحد رجلًا يرقص أو يعزف فوق التل.
في تلك اللحظة بدأت أشعر كأنني فقدت عقلي.
لكن أحد الضباط كان متفهمًا جدًا.
عرض أن تمر دوريات الشرطة بالقرب من منزلي خلال الليالي التالية.
وجودهم في المنطقة جعلني أشعر بأمان أكبر.
ومرت الأيام.
لم يحدث شيء آخر.
مع مرور سنة أو سنتين، بدأت المنطقة تتغير تمامًا.
بُنيت المنازل واحدة تلو الأخرى، وانتقلت عائلات كثيرة للسكن حولي.
تحولت الأراضي الفارغة إلى حي حقيقي.
وبمرور الوقت، أخبرت بعض الجيران بما حدث لي في السنوات الأولى.
انتشرت القصة بينهم.
وبعضهم بدأ يستخدم حكاية عازف الكمان لتخويف أطفاله.
حتى إن أحد الجيران أطلق على قطعة الأرض التي يقع فيها ذلك المرتفع اسمًا بقي متداولًا بيننا:
“تل الكمان”.
ما زلت أعيش في المنزل نفسه حتى اليوم.
أعيش حياتي بصورة طبيعية، وأخرج مع كلبي، وأمارس روتيني اليومي كما كنت أفعل دائمًا.
لم أرَ ذلك الرجل مرة أخرى.
ولم أسمع صوت كمان قادمًا من التل بعد تلك الليلة.
لكنني حتى الآن لا أعرف من كان.
ولا لماذا كان يأتي إلى هناك.
ولا كيف عرف أين أعيش.
والسؤال الذي ما زال يراودني كلما تذكرت تلك العينين فوق السياج هو:
ماذا كان سيحدث لو لم يبدأ كلبي بالنباح في تلك الليلة؟

إرسال التعليق