كان الثلج يتساقط ببطء خلف الزجاج، بلا صوت، كأنه يعرف أن الليل لا يحب الضجيج.
جلس سامي على الكرسي القريب من النافذة، كوب الشاي أمامه برد منذ عشرين دقيقة، والمدينة تحته مضاءة بآلاف الأنوار التي لا تعرف اسمه. كان قد أنهى للتو مكالمة قصيرة مع أمه، ووضع الهاتف على ركبته، والشاشة ما زالت مضيئة بصورة قديمة: هو في الثامنة عشرة، واقفًا بين إخوته أمام باب البيت، يضحك بفم مفتوح لا يشبه ضحكته الآن.
لم يبكِ. لم يكن من النوع الذي يبكي بسهولة.
فعل شيئًا أغرب من البكاء: أخرج دفترًا صغيرًا كان يستخدمه لتدوين فواتيره، وكتب على صفحة فارغة رقمًا.
19
تسع عشرة سنة قضاها هنا. غادر وهو في السادسة والعشرين، والآن يقترب من الخامسة والأربعين. حسب الأعياد التي غاب عنها: تسعة عشر عيد فطر، تسعة عشر عيد أضحى، جنازتان لم يحضرهما، وثلاثة أعراس شاهدها فقط عبر شاشة هاتف صغيرة وهو يقول لنفسه إن الإشارة ضعيفة، بينما كان يعرف أن الحقيقة أنه بعيد.
ثم كتب سؤالًا تحت الرقم، بخط صغير، كأنه يخجل منه:
كم سنة بقيت لي؟
لم يكن يقصد العمر بمعناه الطبي. كان يقصد شيئًا آخر، شيئًا أصعب: كم سنة بقيت له ليكون فيها ابنًا لأمه قبل أن تصبح ذكرى؟
بدأ الأمر، إن كان له بداية، قبل أسابيع، حين اتصل به صديقه القديم وسيم وأخبره أنه قرر العودة إلى الوطن بعد التقاعد. قالها ببساطة، وكأنه يخبره عن تغيير في الطقس:
خلاص يا سامي، تعبت من العد. عد كم باقي، عد كم فات، عد كم في الحساب البنكي. بدي أرجع أعيش، مو أحسب.
ضحك سامي حينها، لكن الضحكة لم تكمل طريقها إلى صدره. بقيت عالقة في حلقه طوال الأسبوع.
وفي اليوم التالي، رأى صورة على هاتفه لصديق طفولته حسين، نشرها أحدهم في مجموعة قديمة. حسين الذي كان أنحف صبي في الحارة أصبح رجلًا بشعر أبيض كامل، ووجه أرهقه شيء لا يعرفه سامي. نظر إلى الصورة طويلًا، ثم إلى انعكاسه في شاشة الهاتف المطفأة، وسأل نفسه سؤالًا لم يجرؤ من قبل على صياغته بهذا الوضوح:
هل أنا أعيش فعلًا؟ أم أنني أؤجل الحياة حتى أصل إلى مرحلة أستطيع فيها أن أعيش؟
لم يكن سامي يكره الغربة. هذه نقطة كان حريصًا دائمًا على أن يوضحها لنفسه، حتى في أصعب لحظاته.
الغربة منحته أشياء لم يكن ليحصل عليها لو بقي: شقة صغيرة يملكها باسمه، سيارة لا تتعطل كل أسبوع، راتبًا يكفي لإرسال حوالة شهرية لأهله دون أن يشعر بالضيق، ورحلة إلى إيطاليا كل صيفين تقريبًا مع زملاء العمل. تذكر تلك الرحلات: طعام لذيذ، ضحك صادق، شعور جميل بأنه إنسان له مكان في هذا العالم.
لكنه تذكر أيضًا أن تلك السعادة كانت تنتهي دائمًا في اللحظة نفسها: حين يفتح باب شقته، ويرمي المفاتيح على الطاولة، ويقف في صمت لا يقاطعه أحد.
كانت هناك سعادة، لكنها من نوع خاص: سعادة الشيء الجديد، سعادة اللحظة التي تشترى ثم تنتهي. أما السعادة الأخرى، تلك التي تحدث حين يجلس الإنسان مع أمه دون أن ينظر إلى الساعة، فقد بدأ يشك أنه نسي طعمها تمامًا.
في الأسبوع الذي تلا، زار الوطن لأول مرة منذ ثلاث سنوات، في إجازة قصيرة لم تتجاوز عشرة أيام.
جلس في المطبخ القديم مع أمه، وشرب الشاي من الكوب نفسه الذي كان يشربه وهو طالب، لكنه لاحظ أن يده أصبحت أثقل من الكوب. جلس مع أبيه أمام التلفاز، وضحك على نكتة قديمة قالها أبوه للمرة العاشرة، وشعر بدفء لم يشعر به منذ سنوات.
لكنه لاحظ أيضًا أشياء أخرى.
الشارع الذي كان يلعب فيه صار ضيقًا وممتلئًا بمحلات لا يعرفها. أصدقاء الطفولة تفرقوا: بعضهم سافر، بعضهم انشغل بحياته، وبعضهم نظر إليه بنظرة لم يفهمها تمامًا، كأنه أصبح غريبًا محترمًا، لا ابنًا للحارة.
في ليلته الأخيرة هناك، جلس على سطح المنزل وحده، ونظر إلى النجوم التي لم تتغير، وأدرك شيئًا مؤلمًا لم يستطع أن يقوله لأحد:
هو أيضًا أصبح غريبًا عن وطنه، لكنه لم يصبح ابنًا كاملًا للبلد الذي يعيش فيه.
لا هنا بيته الكامل، ولا هناك بيته الكامل. أصبح رجلًا معلقًا بين مكانين، لا يملك أحدهما بالكامل.
بعد عودته إلى الغربة، جلس مساءً مع وسيم في مقهى صغير، والثلج يتساقط من جديد خلف الزجاج.
قال وسيم، وهو يحرك قهوته ببطء:
التضحية لازم تنتهي يومًا يا سامي. إذا ما انتهت، بتصير هروب.
رد سامي بهدوء:
وإذا رجعت الآن، شو بصير بكل السنين يلي ضحيت فيها؟ بيت أهلي اتبنى من هالتعب. أخوي درس بالجامعة من هالتعب. هل أقدر أندم على تضحية أنقذت مستقبل ناس بحبهم؟
سكت وسيم قليلًا، ثم قال:
ما حدا طلب منك تندم على يلي عملته. بس ممكن تسأل نفسك: لحد إمتى بدك تضحي؟ العمر مو حساب بنكي، ما بترجعله فوائد.
قال سامي:
وإذا رجعت وما لقيت شغل؟ وإذا رجعت وصرت عبء على أهلي بدل ما أكون سند إلهم؟
أجابه وسيم:
وإذا ما رجعت، وضلّيت هون، ووصلت عمر الستين وحيد، بفلوس كتير وما حدا حولك يعرفك من زمان؟
لم يجب سامي. لم يكن لديه جواب. وكلاهما كان يعرف أن كليهما محق جزئيًا، وأن الحقيقة لا تشبه خطًا مستقيمًا بين رأي صحيح وآخر خاطئ، بل تشبه هذا الثلج المتساقط: كل رقعة بيضاء تشبه الأخرى، لكن لا واحدة منها تتكرر.
بعد أسبوعين، جاءه خبران في اليوم نفسه.
الأول: عرض ترقية في العمل، مع زيادة كبيرة في الراتب، لكنها تعني ثلاث سنوات إضافية على الأقل من الالتزام هنا.
الثاني: اتصال من صديق في الوطن يخبره أن هناك فرصة عمل صغيرة، متواضعة الدخل، لكنها حقيقية، في مدينته، على بعد دقائق من بيت أهله.
وقف سامي في مطبخه، والهاتفان أمامه على الطاولة، وشعر لأول مرة أن القرار لم يعد مجرد فكرة يفكر فيها قبل النوم، بل خيارًا حقيقيًا يطرق بابه.
فتح دفتره الصغير من جديد، إلى الصفحة التي كتب عليها الرقم 19، وتذكر نفسه قبل عشرين سنة، شابًا يقول لنفسه بثقة من لا يعرف الزمن بعد:
سأتحمل الآن، وعندما أكبر سأرتاح.
وسأل نفسه الآن، بصوت لم يخرج من فمه:
وماذا لو كان معنى الحياة أن نعيش بعض الراحة الآن، لا أن نؤجلها كلها إلى وقت قد لا نصل إليه؟
لم يكتب تحت السؤال جوابًا. أغلق الدفتر، ووضعه على الطاولة بين الهاتفين، وجلس ينظر إلى الثلج يتساقط خلف الزجاج، بلا صوت، كما لو أن الليل نفسه ينتظر منه قرارًا لن يعطيه أحد سواه.
لم يخبرنا أحد بما فعله في النهاية. ولعل هذا ليس مهمًا بقدر السؤال الذي تركه خلفه، معلقًا في الهواء، لكل من يقرأ حكايته:
كم من عمرك تستطيع أن تدفعه ثمنًا للحياة التي تنتظرها؟ ومتى يتوقف الانتظار عن أن يكون حكمة، ويصبح مجرد اسم آخر للخوف؟
